ثقافية

(كائن لا يُحتمل خفته) لميلان كونديرا

887

احمد رمضان/ كاتب مصري

تثير فكرة (الثقل والخفة) للفيلسوف الإغريقي بارمينيدس التساؤل والحيرة في حياة كلّ منّا , ويطرح هنا كونديرا ذاك الشعور بما نحسّ به تجاه كل ما يدور حولنا في هذه الرواية الفلسفية بامتياز عبر مقطوعة بيتهوفن الرابعة (ليس من ذلك بدّ) ويسري بنا في روايته بين الاحتمال وثقله والانطلاق وخفته ما بين توماس الدكتور البشري الذي تنازل عن أهم ما يملك وأقصى ما تمنى وحققه (الطب)لأنه كتب مقالة ينتقد فيها الشيوعيين وضرورة فقأ عيونهم مثل (أوديب) إبّان الإجتياح الروسي للتشيك فيما عرف ب (ربيع براغ) حتى هوى به مبدؤه الى مهنة تنظيف الزجاج ومن ثم الانتقال إلى الريف بمصاحبة تيريزا المصورة التي هربت من بيت أمها _القبيحة_ التي تعايرها دوما ودائما بجسدها وكشف عورتها , فهربت تلك الملاك لتقابل توماس بالصدفة الست المُضحكة الذي رسمهم كونديرا في الحانة التي إشتغلت بها في أحد ضواحي براغ .
لكن توماس متعدد النزوات العاشق للنساء حد الوله وتيريزا التي لا ترضي بطبيعة الحال بذلك رغم كل نضال توماس من أجلها , وتخليه عن زوجته وإبنه والعودة لها من زيوريخ وموافقته لها على الإنتقال إلى الريف إلا أنه كائن لا يُحتمل خفّته تلك الخفة التي جميعنا نودّ أن نمتلكها ونسعد من هم أقربهم لنا ولكن يحضُرني مقولة (الإنسان مخيّر فيما يعلم , مسيّر فيما لا يعلم) شتان إذن بين ما أريد وبين واقعي أو حقيقتي الدائرة من حولي , كلنا أجمع نريد ان نكون اخف من ريشة نسبح منطلقين بلا قيود أو مسلّمات وهنا (الخفة) ولكن ليس كل ما نتمناه سندركه وسنحققه (الثقل) وبسبب ذلك طرح كونديرا فكرة (العود الأبدي) لنيتشه _المتأثّر به كونديرا_ تلك الفكرة التي تعبّر عن خيبات الأمل المتكررة بإستمرار في حياتنا معبّرة عن الثقل الذي يعترينا في دنيانا الصغيرة , الدنيا الذي يمتلكها كل شخص ولا يعلم كيف يعيشها بالخفة بل ويظلم نفسه ومن حوله مثل فرانز وسابينا . فرانز الذي أحب سابينا الموهوبة بالرسم والذي ناضل فيما بينه وبين نفسه للذهاب كمتطوع لانقاذ ضحايا حرب امريكا على كمبوديا وهو باطنا لم يذهب كمناضل مثل من معه ولكن ليعجب سابينا وجاء من هناك اثر ضربة عنيفة اهوت به على رأسه متوفيا , حقا ما أشقى الانسان وما أثقله يريد ان يسعد غيره ويفني ذاته كما فعل توماس وفرانز!! .
اننا جميعا لكائنات لا تحتمل خفّتها نسعي لغيرنا ونريد له الرضا ولكن رضا الانسان غاية لا تدرك فلنتوجه اذن لمقولة بيتهوفن ليس منها ضرورة ولنعش بخفة وننفض الثقل , لا نأبه لمن حولنا ولنمحُ فكرة العود الأبدي التي بدت واقعية وصحيحة فهما بذلنا كل طاقتنا لن نسعد من حولنا ولتمكن الثقل من مليء دنيانا وقتلنا على رواق آخر يمتلك كونديرا الحسّ الإنساني وبكاؤه عليه من خلال طرح أحداث ربيع براغ وما شهدته التشيك عام 1969 وهول ما حدث بالبلاد من الروس ‹ كذلك البلد الضعيف القابع في شرق آسيا كمبوديا والتي استهدفته فيتنام . يعزّي كونديرا هذه النفوس التي لاقت أرواحها هباءاً جرّاء التوحش البشري الغريب وغير المبرر .
إنها رواية تعرّي حياة كل شخص منّا , تكشف ما يبدو بداخلنا من هموم وألم على الرغم من فلسفة كونديرا المعتادة , فعلى غرار سبره للنفس البشرية تتطرق للأكذوبة الشيوعية وما فعلت في تشيكيا والإمبريالية الأمريكية وقصفها الثورة في كمبوديا وما فعله الفيتناميون في الأخيرة . رواية عميقة جدا وصف فيها كونديرا بأسلوب عميق الذات الانسانية وما تشعر به من خفة وثقل وتناقض فنحن جميعا نجد شبها لذواتنا في هذه الرواية إشتراكنا في جزء من أبطالها , وستبقى الخفة هي أقصى ما نتمنى بيد أن الثقل هو الحتمي .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى