المراقب العراقي تنشر رواية «المتلصّصة» للكاتبة اللبنانية زينب فياض


زينب محمود فياض كاتبة من لبنان. ولدت وعاشت في الكويت، ثم انتقلت إلى لبنان لتكمل تعليمها في دراسة الأدب العربي. تنقلت بين التعليم وإعداد وتقديم برامج الصغار التلفزيونية. كانت من المشاركين في تأسيس جمعية (حواس) الثقافية. أصدرت أول رواية لها (المتلصصة) والتي تنشرها (المراقب العراقي). لها كتاب حواري مع الفنان والاعلامي والاستاذ الجامعي عبد الحليم حمود اسمه (المطرقة)، ولها روايتان قيد الطبع.
كتبت زينب فياض هذه الرواية لتستفز العقل الراكد في مستنقع الخيبات. بدأ من عنوانها الذي أثار بعض الجدل والتحفظات حيث أن هذه الصفة قد تبدو للمجتمع سلبية ومحرضة للعقل ليتجه بتساؤلات مستنكرة. كيف لمتلصصة أن تجهر أمام الجميع بهذا الفعل المثير للريبة.
الجزء الحادي عشر
ذاكرة أبي .. طفلة تائهة
تحوّل وجهه لقطعة خشبية تتآكل يوماً بعد يوم. سوس الخيبات ينخر فيها. أبي فقد كلّ شيء: زوجته التي أهملها لسنوات، والده وابنه الصغير الذي ما عرفه أبداً، والإبن البكر الذي التحق بالجيش وفرّ هارباً من الحي. لم يملك وقتئذٍ إلاّ العمّة المتهالكة تعباً وابنة يمقتها لا لشيء، فقط لأنها أنثى. لم يعلم أنّ هذه البنت هي التي ستكون ذخراً له في التيه.
تدريجياً بدأ يفقد شهيته للأكل والكلام والنوم.يمضي أياماً يحدث نفسه بتمتمات قليلة وأسئلة تبكيني «قولي لحنين أنّي أريد شربة ماء، لماذا تتأخّرحنين بالعودة للمنزل؟». يحدّثني عن والدتي كأنها موجودة، وعندما أخبره عن رحيلها ورحيل يوسف ينظر للأرض بتعجّب ويقول «يوسف؟ مَن هذا؟».ذاكرته عادت خاوية إلاّ من الحنين لحنين. تائهاً دوماً ويكثر من الصمت والبكاء والنظرات الضائعة.لا يركّز في شيء، وحدقتاه دائماً زائغتان. كلّ الحقد الذي عشش في قلبي طوال عشرين سنة تجاه جبروته وظلمه تحوّل فجأة لعطف ورحمة على هذا المكسور الخاطر والذاكرة. ماذا تفعل بنا هذه الذاكرة؟تُردينا لأسفل السافلين حين تتخلى عنا.تحوّلنا من وحوش كاسرة أطفالاً منكسرين.الوداعة في عينيه تبكيني. أحاول مراراً أن أستفزّه، أن أصرخ به، أعاتبه، أرمي به من النافذة فيحزّ بكاؤه شرايين قلبي. كثيراً ما رفض الإنصات لكلام العمّة فهو لا يقبل الأكل معها ويأبى النوم أو تبديل ملابسه لأيام طويلة. عندما أمسك بيده وأنظر لعينيه وأطلب منه أمراً ما،كالطفل الوديع يهزّ برأسه موافقاً فيقوم بعمل ما أطلب.
اعتاد عليّ بسرعة كطفل يألف رائحة أمّه، ما إن آتي نحوه حتى يرمقني بنظرة استجداء فيحنّ قلبي عليه، وأبدأ بمحادثته. كلّ ما ينطق به ويحدّثني عنه هو حنين زوجته التي رماها يوماً في جُبّ الإهمال. كأن ذاكرته تقتص منه، لا تحوي إلاّ حنيناً بين قضبان فقدان التذكّر. يشعل نار حنينه ليضيء العتم المخيّم على خلايا دماغه المفقودة المتهالكة. تساءلت مراراً هل تصيبني لعنة الذاكرة يوماً كأبي؟ فأنا ورثت كلّ شيء منه، السحنة وشكل العينين وطول القامة حتى أنني بقرارة نفسي علمت أنّي ورثت عنه الكره. لم يكن نفوري وسخطي بالحقد واللُؤم ذاتهما، ولكن مساحات البغض في داخلي كلّها صُوبت تجاه أبي فقط. لا بدّ أن أمحو تلك المساحة، ليس حباً بالمسامحة ولكن خوفاً من أن يلتهمني وحش النسيان وفقدان الذاكرة «الزهايمر»، كما والدي. أقنعت نفسي مؤخراً أن أحد أسباب هذا المرض هو الحقد على الآخر، كأن هذا الكره نملٌ ينغل في أوردتنا، يقتات خلايانا رويداً رويداً وحين يصل للحد الأعلى من هذا الشعور المقيت تكون الذاكرة قد خبت وانطفأت. في تلك الحقبة التي أحسستها كألف عام لم يكن يؤنسني إلاّ الكتابة والقراءة. عزمت على أن أتصالح مع نفسي، أن أكتب كلّ شعور سيئ ومقيت وسلبي، أن أدوّن رواية لذاكرتي علّني إذا فقدتها يجدها أحد ما ليعيد قراءتها لي. القارئ سيتسلّى وأنا سأبكي. مشهد أحببته جداً حين تخيّلته؛ ستخذلني الذاكرة وستُفرِح أحداً ما ينوي التلصّص عليها. أعشق كوني سأُخلّد. لولا أن الأمر سيبدو كوجه مشوّه في زمن الطاعون بسبب المآسي التي تركت ندوبها القاسية بداخلي. ما يهم هو الذاكرة ألا تشوّه. هل هذا هو زمني لأكتب ويقرأ الآخرون،أم باتت الأزمنة كلّها مصابة بجنون فلا تحتاج لذاكرة؟ هل ستُسعفني ذاكرتي في هذا الوقت المصاب بأزمة النوبات العقلية الفارغة من كلّ ما هو جميل؟ لم يعُد هناك شيء يُذكَر أو يوحي بالجمال والفرح. ماذا تضيف ذاكرتي لفراغ هذا الزمن؟ كلّ هذا الكم الهائل من القلق دوّنته في أوراق. الخطوة التالية أن أحثّ نفسي لنشرها كرواية مثلاً أو كمذكرات أو حتى أن أجعل عارف يقرأها فقط. عارف الوحيد الذي أبقاني منتبهة إلى أن هناك من هو أقل مني حظاً وأكثرتعاسة.
كلما دخلت غرفة أبي وجدته متقوقعاً متدثراً يرتجف كطفلٍ مشرد. أمسك يده ليهدأ. يعتريني عصف وجعه. أستاء من مشاعر البغض التي انتابتني يوماً تجاهه. كيف يصنع الله هذا التبدّل بداخلنا؟.ماذا تُسمّى هذه التقنية المعجزة التي تحوّل وتغيّر فينا هذه المشاعر؟ أين يتوارى الخبث حين يهتز اللطف وينبت في الشرايين؟هل هذا يختص بقلبي فقط، ولذلك جعل الله مرض النسيان حكراً على والدي، لأن معجزته هذه لا تجدي نفعاً معه، وسيُعفيني الله مستقبلاً من الإصابة «بالزهايمر»؟أمضيت أكثر الوقت أقرأ لوالدي بعض الروايات التي خلّفتها والدتي في أدراج الخزانة بعد وفاتها. طريقة اخترتها لأنفذ انتقامي أن يعيش والدي بما رفضه سابقاً، بما كان يمقته. الكتب ذلك الشيء الذي جهل متعته حينها، كلّ يوم على مدى سنة وأنا أقرأ وهو يضحك.ربما بسمته اعتذاراً لأمّي أو أنّه لم يستوعب ما أقوم به. كلّ ما بات يستحسنه جلوسي بجانبه أواسي ذاكرته.
في تلك المدة فقدنا العمّة. أصبح كلّ شيء على عاتقي. مسؤولية البيت والدراسة وخدمة والدي. حتى مصروف البيت الذي أحصل عليه جراء تدريس أولاد الجيران. تهرّب صبيان العائلة الممجدون سابقاً من الجدّ والعمّة من تحمّل أيّ مسؤولية معي. سافر أحدهم لبلاد المهجر وأرسل خلف الآخرين.حتى أخي الذي التحق بالجيش لم نعد نراه.أمسيت وحدي ووالدي والكثير من الروايات والكتب وبعض زيارات من عارف ليواسيني.سنتان كانتا من أصعب ما مررت به طوال حياتي. حين توفّي والدي أحسستُ بالراحة. ليست قسوة قلب، كما ظن عارف الذي لم يرني أبكي موت والدي، لم أكن مجبرة أنّ أفسّر له أو لأي شخص هذا الجفاء وهذه القسوة وتلك الراحة التي انتابتني جراء وفاة والدي. عزمت أن لا أبكي أحداً كما بكيت والدتي ويوسف. كفيلة تلك الدموع التي أرّقت عينيّ بأن تأخذ من نظري درجتين ونصفاً وأن أضع نظّارات ليزيد شكل وجهي قبحاً أكثر. لم أحبّ يوماً تلك النظارات فلوجهي مآسيه التي تكفيه. نصحني الجميع بالعدسات اللاصقة أو العملية الجراحية،ولكن مَن يهتم إن زاد قبحي؟ومن أين لي بهذا المبلغ من المال لأعمل بنصائحهم؟في تلك السنة أجّرت منزل أهلي واستأجرت غرفة قريبة من الجامعة. حاولت الهروب مراراً من ذلك الحي،ولكن حين أتيح لي ذلك انفطر قلبي. لم آخذ معي شيئاً يذكّرني بما مررت به، ليس كرهاً أو خوفاً أو حقداً بل القلق من أن أرتكب التلصّص مرة أخرى.في المدن الكبيرة لا تحتاج للتلصّص ولا لذاكرة تحملها في حقائبك. الحيّز صغير في الغرف المستأجرة لا يتيح مكاناً لذاكرتك. لا فراغات في المدن. كلّ شيء مشغول بشيء إلاّ الروح مملوءة بثقوب فارغة. لا بدّ أن تكون مارداً متوحشاً كي لا تدهسك آليات الجشع والذّل والانتهازية، فهي لا تحترم إشارات سير القلب والعاطفة، والطريق للأقوى، للأكثر استبداداً.



