حروف نهاد العزاوي.. وجود هامس يطغى على ضجيج العالم

المراقب العراقي /رحيم يوسف…
يقف الفنان نهاد العزاوي في الصف الأول من النحاتين الذين يمارسون العمل من أجل إغناء وترسيخ تجاربهم الشخصية التي تفرض وجودها كعلامات بارزة في هذا المجال ولسنا بمعرض تعداد تلك الاسماء في هذا السياق الكتابي لأنها معروفة لدى المتابع للمشهد التشكيلي العراقي المعاصر من خلال سيل العروض التي اُقيمت والتي تمثلت في المعارض الشخصية او المشتركة او المعارض التي تقيمها وزارة الثقافة او جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين سواء داخل او خارج العراق ، ولعل العزاوي من الاسماء القليلة التي تمكنت من الإفلات من التأثيرات الواضحة التي فرضتها عليهم تجارب جيل ما بعد الرواد ومنها تجربة الاستاذ الراحل إسماعيل فتاح الترك .
الفنان نهاد طارق العزاوي من مواليد بغداد في العام 1970 وهو خريج كلية الفنون الجميلة / جامعة بغداد ، وعمل في الوسط الفني التشكيلي العراقي سنوات عدة، وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي عمل مع مجموعة من الفنانين في محترف الكرافيك الخاص بالفنان الكبير رافع الناصري وهم كل من الفنانين ( حيان عبد الجبار وهاشم حنون ومهند الناصري ) لتتوفر لديه أسرار الحفر والطباعة الذين واظب عليهما طوال مسيرته الفنية وهو ينفذ العديد من المشاريع في هذا المجال بين الشخصية والتعاون مع الفنانين الآخرين ، وقد أقام وشارك في العديد من المعارض ومنها معارضه الشخصية وهي (معرض نحت ورسم ، في المركز الثقافي الفرنسي في الدوحة في العام 2007 ومعرض الظل بين النحت والحفر بدار الأندى في عمان عام 2014 ومعرض حوار ، قاعة جاكرندا في عمان عام 2019 ومعرض نداء في مركز الفنون في قطر الدوحة عام 2021 ومعرض حفر ونحت في قاعة جاكرندا في عمان عام 2022 ، كما شارك في معظم المعارض والنشاطات الفنية التي اُقيمت في بغداد العراق منذ العام 1995 وحتى العام 2005 ، وكذلك شارك في معظم المعارض الفنية الدائمة في عمان ، الاردن منذ إقامته فيها بالإضافة لمشاركته في المعارض والنشاطات الفنية والمهرجانات الفنية التي اُقيمت في قطر ، الدوحة لذات الاعوام التي أقام فيها خارج العراق ، كما أن لديه الكثير من النشاطات الفنية التي عمل عليها ومنها تأسيس قسم الحفر الطباعي والعمل رئيسا له في ( مركز إبداع الفتاة ) في الدوحة بقطر بين الاعوام 2005 و 2010 وعمله أستاذا لذات القسم لنفس الفترة الزمنية المذكورة ، كما أسس وعمل في ورشة (يمكن ) المتخصصة في الحفر الطباعي بعمان الاردن عام 2010 وحتى وقتنا الحالي ولديه الكثير من الاعمال الفنية والمقتنيات في دول عربية وأجنبية ، وهو متفرغ حاليا للعمل الفني فقط .
مثل الحرف إغراء كبيرا لدى المشتغلين بالفن التشكيلي منذ استخداماته الاولى في اربعينيات القرن الماضي على أيدي الفنانة التشكيلية العراقية / السورية مديحة عمر وكذلك الاستاذ جميل حمودي وصولا الى التجارب اللاحقة التي وظفته في استخدامات متعددة إما لاستنطاق جمالياته الشكلية او لمحاولة تضمين منطوقه الصوتي الصامت لذات الغرض والتجارب في هذا الصدد كثيرة جدا ، كما تم استخدام تلك الاغراض في عالم الخزف على نطاق واسع في تجارب عديدة ترسخت في الواقع التشكيلي عراقيا وعربيا غير أن تلك التجارب لم تحاول تحويل الحرف من عنصر تزينني الى عنصر يشكل بنية العمل الفني إلا في تجارب قليلة ومنها تجربتان قام بهما الخزاف أمير النقاش وعرضتا لعامين متتاليين في معرضين شخصيين اُقيما على قاعة حوار ببغداد ، وهما التجربتان اللتان تناولناهما بشيء من التفصيل حبنها .
الفنان نهاد العزاوي الذي يبدأ من النقطة ولا ينتهي بالحرف يسعى لخلق لغة صورية موازية للغة النحت عبر تكوين أكثر من صورة افتراضية تلزمنا بالإمساك بها من خلال المزيد من التأمل ، وذلك عبر ثنائية تبادلية تحول الصورة الى حرف والحرف الى صورة في ذات الوقت وفي تجربته النحتية التي يعمل عليها بصمت وهدوء حاول وتمكن من استنطاق طاقات الحرف الجمالية الى أقصى مدياتها عبر أعماله النحتية التي يبثها للتلقي ، وأعماله في هذه التجربة ليست مفصولة عما سبق من أعمال ، لكنها تشكل حلقة اخرى من سلسلة متتابعة إذا جاز لنا التعبير ، فبعد أن كان الحرف مرافقا للمشخصات التي تشكل بنية أعماله السابقة كعنصر جمالي داعم ومفسر للرؤى الفنية المبثوثة تحول الى قاعدة الانطلاق باتجاه تعميق تلك الرؤى وبمعنى أدق تحول الى بنية الاعمال الاساسية لها لتصبح المشخصات دواعم للحرف / كما سنبين في هذا السياق / وبما يتيح لنا أن نطلق عليها تجربة حروفية في عالم النحت ، سعيا منه لإيحاد لغة صورية ناطقة تعبر عن متبنياته الجمالية في هذه التجربة ، كما أن ثمة رابطا واضحا يمتد بين الاعمال النحتية التي يبثها والاعمال الكرافيكية ، فهما يسيران بذات الاتجاه ، ولعل حالة التصادم التي تحدث بين الأنا والآخر تمثل صراعا غير معلن يسعي للتعبير عنه عبر عمليات الاشتغال
اليومي المستمر، وهو ما يتضح لديه أثناء عملية الخلق تدفعه باتجاه ترسيخ رؤيته لما يحدث ولذلك كان الحرف أحد الوسائل التعبيرية المهمة بهذا الاتجاه ، ولعل هذا سبب رئيس جعل الحرف يمثل وجودا هامسا أحيانا يحاول أن يطغى على ضجيج العالم من حوله أو تعبيرا عن الصراع الدائر.



