ثقافية

«ضوء يضج بالعتمة» والكتاب الأول

 

سالم محسن/ شاعر وناقد

بغض الطرف عن شكل الجنس الأدبي، فان الكِتَاب الأول سيكونُ كِتَاباً مختلفاً عن الكتاب الذي يليه، وأن هذا الكِتَاب من حيث التسلسل سيكون متميزاً كإطلالة أولى على مستقبل الكاتب. وهذا ينطبق وبشكل عام على كافة المؤلفات والمؤلفين، ولاسيما إذا كانت المعنية بهذه الموضوع قد انبرت كشاعرة تمتلك هذا التميز بمسببات الشعر وأهميته لدينا، بوصفه نَتاجاً مُوجهاً تحت ضغط الواقع. ويتضح هذا في مجموعة الشاعرة المعنونة (ضوء يضج بالعتمة)، ولما كان عنوان المجموعة والإهداء يتعالقان في شد وتوتر حيث كتبت الشاعرة في الإهداء: (أبي.. وأمي.. ذلك الضوءُ الذي ضَجَ في عتمةِ روحي، وما زالَ..).
ان مَهَمّة النقد تقومُ على تحليل وتفكيك هذا التعالق الذي ابتكرته الشاعرة في نطاقها إلى ابعد مما هو موجود ما بين عنوان المجموعة الشعرية والإهداء الذي تصدر القصائد. لقد أفاضت اللغة علينا بمهيمنات تصدت لها الشاعرة بوضوح بعدما أمنت جانبي الأب والأم فارتفع لديها الضمير الإنساني بتناسق وبتواز ما بين المعنى الجمالي والدلالي ما أوقع الشاعرة في فخ الثنائية المعهود وأن المَنْجاةَ من هذا المشكل كان اللجوء إلى طرح الأسئلة الوجودية الكبيرة والعبارات الصادمة والأحكام والأقوال والومضات، فجاءت تلك المَنْجاةُ ضمن علاقة مبررة بين الحامل والمحمول:
إعْلامُنا المزيفُ
لأنه سلطةٌ رابعةٌ
وكلُ سلطةٍ فاسدةٍ
من قصيدة (السلطة الرابعة)
ـ ـ
منذ قلبٍ تاه
ولم يعدْ
منذ حَلُمٍ ماتَ
ولم يولد
من قصيدة (المتمرد)
ـ ـ
مثقلٌ بالوحدةِ
وَسَطَ الجموعِ
من قصيدة (الحالِم)
ـ ـ
الموتُ في حفرةٍ
أهونُ من الضياع
من قصيدة (الأمانة)
ـ ـ
مرآةٌ ضريرةٌ
تعكسُ أشباحاً كثيرةً
من قصيدة (تسكن الروح المقبرة)
ـ ـ
يأتيني جوابهم
صمتُ آذانهم صَّراخاً
هلا آتيتنا بحفنة من شعير
من قصيدة (على خطى البَعير)
في هذا العدد الكبير من القصائد وقعتْ الشاعرة في التكرار والإفراط والجملة التقريرية، مثلا في قصيدة: (لا تقل للأبد) والإيغال في السوداوية، وفي قصيدة: (أزمة وقت)، حيث كان لها أن تختار لنا قصائد تحافظ على علاقة المجموعة الشعرية كوحدة واحدة فنياً وفكرياً. وهذا ما أفقد قصيدة النثر التي تكتبها سمة التكثيف والغموض إذا ما قرأنا المجموعة كاملة، لكن الكثير من القصائد كانت تملك القيمة الفنية العالية لو قراناها قراءة مستقلة، كما في قصيدة (ما زالتْ الحشودُ تركضُ) و(نصائح).
(ضوءٌ يضجُ بالعتمة) هو الكِتَابُ الأولُ للشاعرة زينب الغالب وهو يَستحقُ أن نقتنيه ونقرؤه، لما فيه من بداية مهمة على المستوى الجمالي والدلالي في خطاب شعري جديد. نحن نعرف بان شهادتنا مجروحةٌ لكون الشاعرة من مواليد مدينة الإبداع والمبدعين ـ البصرة، وهذا لا يمنع من كتابة ما يشير إلى ولادة مُوهبة شعريةٍ واعدة.
ـ (ضوء يضج بالعتمة) مجموعة شعرية، صدرت عام 2016م. دار الينابيع. دمشق ـ سوريا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى