ثقافية

المقامة الخريفية الاولى

3828

أمين صباح كبة

حدثنا ماجد بن وسام قال: خرجت مع عصبة من الاصحاب لنتلو بعض ايات الكتاب، وبينما كنا نمشي استرسلت في الحديث، على هواء فصل الخريف، قلت بفخر: يسمونني ماجد، المرجو عند الشدائد، فخر الادباء، وسراج العلماء، في المسائل الظلماء، عطوف على الفقراء، ناصح للاغنياء، مداوي قلوب النساء، نصير المستضعفين وآية الدين، والنور المبين، فرد من المؤمنين، الى يوم الدين.
وقال ماجد بن وسام: وبينما كنت اتفاخر نهرني احدهم وهو محمد بن علاء، وقال: هناك من هو اعلم منك. قلت: من؟ قال: اتبعني الى المسجد وسترى بعينك.
ولما اقتربنا من المسجد فاذا بمحمد يطرق احد الابواب، فلما دخلنا الفناء، وتنفسنا الصعداء، قابلنا رجلًا ذا هيبة وبهاء، يتمشى في حديقةٍ غناء، تحت ضوء القمر الوضاء.
وقال وهو يتأمل وجوهنا: ما خطبكم ايها الغرباء؟ اتريدون قلوب النساء ام تريدون مالاً وهناء؟ اني اظنكم من البؤساء، الذين يقضون حياتهم بشقاء، من غير نفاق ورياء.
ونظر برهة الى النجوم فقال لي: انك لسقيم، دعني ارقيك من كل شيطان رجيم، ومن كل عدو لئيم، مناعٍ للخير معتدٍ اثيم. فقلت: افعل رعاك الله. فنفخ في البخور، وخفف من النور، واسهم نظره الى السطور، وقال: (يا من تفرد بالجلال والعظمة، اننا نعوذ بك من الدجالين الظلمة، ومن مخابئهم المظلمة، اللهم اذقهم حر نارك المضطرمة، واعف عنا يا ذا الجود والمكرمة).
وتوهجت اعيننا بالدموع، عندما دعونا بخشوع، عندئذ امسك الرجل خرقة واخذ يثقبها سبع مرات وهو يتمتم.
ثم دنا منه رجل وقال: ايها الخطيب المشهور، والمتحدث عن المخفي والمستور، ناشدتك بمن خلق الانام، وبالشهر الحرام، وبالنور والظلام، اخبرنا اين ذهب الحكام، وما خلفوه من أطام. فقال: مثلهم كمثل هذا، وانشد:
فما تزود مما كان يجمعه
إلا حنوطا وما واراه من خرقِ
وغير نفحة اعوادٍ تشبّ له
وقلّ ذلك من زادٍ لمنطلقِ
ثم دنا منه اخر وقال: اشكو اليك سوء الحال، وطيش البال، وقلة المال، واني اريد حرزا ليجعلني اغنى الرجال. فاجابه:
يا من يعانق دنيا لا بقاء لها
يمسي ويصبح في دنياه سفّارا
هلا تركت لذي الدنيا معانقةً
حتى تعانق الفردوس ابكارا
ان كنت تبغي جنان الخلد تسكنها
فينبغي لك ان لا تأمن النارا
وسأله آخر وهو “مصطفى بن هرموش”، قال: لقد اشتقت الى التي غاصت ببالي، وعذبت حالي، واسهرتني الليالي، واني اريد حرزا منك يا ذا الجود والمعالي، لكي يذوق قلبي حلاوة الوصالِ. ثم انشد:
كم تمنيت لقلبي
صوت لحن كالكمان
عازفاً الحان يأس
راجياً عطف الزمان
لحبيبي هو ينبض
نبض حب وحنان
ما تمنيت سواه
ساكنا ذاك المكان
فاخذ منه الاسماء وبعثر حروف الهجاء ثم نفخ ثلاثاً في الهواء.
ثم قبلنا يديّه، وخرجنا حتى تشاغلت عن الاصحاب، فاضاعوني، ورحت اختلس السمع الى ما يفعله هذا الرجل، فجاءه سائل وقال منشدا:
اريد عزاً وجاهاً
اريد علماً ورفعة
اريد بيتاً كبيراً
اريد مالاً وصنعة
اريد خوداً حساناً
اريد عشقاً ومتعة
فاغمض عينيه وبسط ذراعيه واخذ يتمتم بكلمات ثم قال للسائل: هات ما عندك، ألبي لك سُؤلك.
ثم دخلت عليه فجأة، فارتبكت ملامحه وسال عرقه وقلت له: من تكون يا هذا؟
فاجابني السائل بدلاً منه: انه مفسر الاعجام، ومخرس افواه الخصوم اللئام، ومنقذ الامة من الجهل والظلام، الخطيب المقدام علي بن ابي ناصر الرسام.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى