اراء

طهران تسبق “ساعة الصفر” الأمريكية- الإسرائيلية وتُفعّل الردع الذرّي

بقلم: محمد الخزاعي..

حتى لو كانت عقارب ساعة الصفر مؤقتةً وفق روزنامة انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في الثالث من تشرين الثاني الجاري؛ فإنّ طبول الحرب ما زالت تعلو وتخفت بين مرحلة مساعٍ غير مسبوقة تترجمها مواكب الدبلوماسية الأمنية لدول المنطقة التي ما تفتأ تحجّ إلى طهران، وبين نشاط وتحشيد عسكريّين يملآن الأجواء والتخندقات البرية والبحرية، في مشهد يعكس قناعة الأطراف مجتمعةً بأنّ الدبلوماسية بدأت تستنفد أوراقها.

ولعلّ قنبلة “مراجعة العقيدة النووية باتت مطلباً شعبياً ووطنياً” التي فجرها إمام جمعة طهران خير دليل على أنّ الوصول إلى (الحافة الصفرية) من الحرب اكتملت أركانه بتغيّر قواعد الاشتباك، وبخاصة بعد توجيه قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى خامنئي للقوات المسلحة “أن يُواجَه كل مستوى من مستويات التهديد، أيًّا كان نوعه، بردّ فوري وفاعل، ومن دون أي قيود جغرافية”، فضلاً عن “تحديث بنك الأهداف الإيرانية في استهداف المصالح والمواقع الأمريكية- الإسرائيلية في المنطقة”، وهذا يعني أنّ القيادة العليا للجمهورية الإسلامية والمتمثلة بالمرشد الأعلى وضعت خلال الساعات الماضية خيارات المواجهة على الطاولة، وتركت القرار لمن يملكه ميدانياً.

وعلى ما يبدو فإنّ هذه التحركات والخطابات ليست معزولة عن سياق أوسع؛ فقد دعا عدد من النواب ورجال الدين الإيرانيين إلى تغيير العقيدة النووية بوصفها أحد متطلبات الثأر لاستشهاد السيد علي خامنئي، تعززها مطالب شعبية وثّقتها عيّنات ملايين الإيرانيين في استبيانات محلية كشفتها منابر الجمعة وأحاديث بعضٍ من القادة السياسيين، وهي نتائج تنقل تطورات الساعة من حسابات الردع الباردة إلى منطق استئصال الغُدد السرطانية في المنطقة.

وإذا كانت تصريحات “العقيدة النووية” جزءاً من أوراق الضغط الدولي الناتج عن الانسداد السياسي والدبلوماسي؛ فإنّ مضيق هرمز ظلّ طوال الأشهر الماضية الورقة الأثقل في يد طهران وما زالت فاعلة، فلماذا إذاً تلوّح بأوراق ضغط جديدة مثل استهداف كابلات الإنترنت، وتغيير العقيدة النووية، وليس آخرها التوجيهات التي أصدرها السيد مجتبى خامنئي لكبار القادة في القوات المسلحة الإيرانية؟

أما “نيويورك تايمز” و”فايننشال تايمز”، فنقلتا عن مسؤولين أمريكيين أنّ الجيشين الأمريكي والإسرائيلي وضعا خططاً محددة لضربات جديدة تستهدف منشآت الطاقة والمواقع النووية ومخازن الصواريخ والمسيّرات، وأنّهما اقتربتا من التنفيذ في مطلع تشرين الثاني الجاري، فضلاً عن أنّ صحيفة “نيويورك تايمز” نقلت أنّ “إسرائيل” قدمت إلى وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قائمة بأهداف إيرانية استناداً إلى معلومات استخبارية، في وقت نشطت تحركات على الأرض، من قبيل هبوط أكثر من عشر طائرات شحن عسكرية أميركية في قاعدتي “نيفاتيم” و”عوفدا” جنوب “إسرائيل” وسُرّب أنّها تحمل صواريخ اعتراضية ومنظومات دفاع جوي، وهو هبوط تزامن مع خلافات حادّة في الداخل الإسرائيلي بعد انتخابات الكنيست، إذ ما زال نتنياهو يسعى إلى أنْ يتولى صلاحيات الحرب بوصفه رئيساً لحكومة تصريف الأعمال، حتى وإنْ لم تُحسم تشكيلة الحكومة الجديدة.

أما العراق فهو الأقرب إلى الحدث وأكثرهم هشاشة أمام تداعياته وشرر المعركة، وعليه أنْ يُعيد حساباته عاجلاً، وبخاصة بعد التسريبات التي أكدت أنّ إيميلات أو رسالة وصلت إلى رئيس الوزراء علي الزيدي من واشنطن تحمل (ألغاماً) لا تقلّ خطورة عن الحرب المعلنة؛ إذ تتضمن إحدى نقاط الرسالة؛ أنّ واشنطن تدرس الدخول البري إلى الجمهورية الإسلامية من خلال العراق، يسبقها بنقطة أو اثنتين إقحام الحكومة في مواجهة مباشرة مع الفصائل من خلال سلسلة من الاقتحامات والاعتقالات وإلا سيُغلق (كاك) الدولارات وعندها يهيج الشارع، وهذا ما رفضته قوى الإطار التنسيقي وبعضٌ من شركائها في ائتلاف إدارة الدولة، ولأنّ الداخل العراقي لا يمرّ فيه قرار حدودي من دون اشتباك سياسي؛ فقد نُفّذت إحدى فقرات تلك الرسالة في الحادي والعشرين من تشرين الأول الماضي بإغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران أمام الأفراد والبضائع إلى إشعار آخر، وتقرر الإبقاء على منفذين فقط.

وبالعودة إلى “العقيدة النووية الإيرانية” وعلى مستوى الأسئلة الكبرى؛ فإنّ أخطر ما يُمكن أنْ يتكرس اليوم؛ هو انطباع بأنّ معاهدة منع الانتشار لا تحمي من التزم بها ولا تردع من خرج منها.

وهذا يعني أنّ المنطقة تتجه إلى الإدارة الناعمة لساعات ما قبل الضربة الخاطفة التي تضع الثالث من تشرين الثاني الجاري “ساعة الصفر” لمآلات ما يُطبخ حالياً في غرف صُنع القرار وسوح تلقيم الذخائر، لذا؛ فنحن نعيش ساعات الإعلان عن انهيار الهدنة غير المعلنة بين أطراف الحرب، وبخاصة أنّ منبر الجمعة في إيران وتوجيه قائد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي لم يُعلنا عن قنبلة نووية لكنهما أعلنا ضمناً أنّ الخيار أصبح قابلاً للتداول، وأنّ الحرب التي أُريد بها منع هذا الخيار هي التي ستُغذيه، وأنّ ما يفصلنا عن الثالث من تشرين الثاني هو نافذة قصيرة لتقديم صفقة ممكنة قبل أنْ تتحول الاحتمالات إلى وقائع لا تُبقي ولا تذر، لذا أقول: إنّ “القنبلة النووية الإسلامية” التي تخشاها قوى الاستكبار العالمي قد تُولد نتيجةً رعونتهم وغطرستهم، وإنّ من يُطفئ نارها الساحقة الماحقة لن يَخسر مكانته في سطور التأريخ، بل سيصونها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى