فرص تجدّد الحرب الشاملة على إيران والإقليم

بقلم: إبراهيم علوش..
لسنا في حالة سلام أصلاً ولا حتى وقفٍ لإطلاق النار، حتى نتساءل إذا كانت الحرب ستندلع أم لا. فمن مضيق هرمز إلى جنوب لبنان إلى غزة، ثمّة تخفيفٌ نسبيٌ لإطلاق النار، مقارنةً بالحرب الشاملة، لا وقفٌ له.
نعيش حالة لا حرب ولا سلمٍ إذاً تتسم بهدنٍ متداعية، ومفاوضات متعثّرة، ومواجهات ميدانية منخفضة الحدّة، ومعارك إعلامية أشدّ حدّةً، وتوازنات سياسية غير مستقرة، في كلّ ساحة على حدة، وفي المشهد الإقليمي ككلّ.
صورة المشهد الآن: نازحون بالملايين، وحصارات خانقة، ومبانٍ مهدّمة، وبنى تحتية مدمّرة، واستهدافات عسكرية يومية، ومناورات سياسية لا تتوقّف لعزل أركان محور المقاومة محلياً وإقليمياً، وآفاق مفتوحة على التصعيد، ثم يُقال: هل ستنشُبُ حربٌ أم لا؟!
الحرب الإقليمية منخفضة الوتيرة لم تكن الخيار المفضّل أمريكياً
خارج اليمن الذي يشهد حرباً مفتوحة، قابلة للاشتعال بصورةٍ أشدّ، نعيش فعلياً الآن، في عموم الإقليم، حرباً، أو مجموعة صراعات، منخفضة الوتيرة، كما تسمّى. وفي ذلك النمط من الحروب، يصبح الاستنزاف وإرهاق الخصم، من خلال رفع التكلفة، وإطالة أمد النزاع، وإحداث شقاق في المعسكر الآخر، جوهر استراتيجية خوض الصراع بأدوات عسكرية وغير عسكرية.
سياسياً، تستهدف الحروب منخفضة الوتيرة قلب الولاءات، و”نزع المشروعية” عن الخصم، والتسلّل إلى العقول والقلوب، ومنع الطرف المقابل من التسلل إليها. من هنا، يتخذ البعد المعنوي للصراع، وخصوصاً على الجبهة الإعلامية، وزناً أكبر بكثير في الحروب منخفضة الوتيرة، من الإعلام الحربي أو العسكري في الحروب التقليدية. كما أنّ الموقف السياسي، وإعلانه، أو عدم اتخاذ موقف، يصبح أكثر من مجرّد خربشات شخصية على هامش الحدث الراهن، بل هو جزءٌ من مصفوفة الاصطفافات في حلبة الصراع.
هذا يعني أنّ حالة اللاحرب واللاسلم التي تعيشها منطقتنا اليوم، لم تأتِ نتيجة تخطيط متعمّد، أو القدرة على صياغة قواعد الاشتباك، بل هي نتاج عدم قدرة الطرف الأمريكي-الصهيوني على تحقيق نصر عسكري حاسم، أو سياسي، يقوّض محور المقاومة، وعدم احتماله لفكرة الانسحاب من المنطقة، أو لعواقبها، أيّ لإعلان الهزيمة.
كأنما الشاعر إيليا أبو ماضي كان يتحدّث عن مثل هذا الظرف بالذات في قصيدة “المساء” عندما قال:
بل أنتِ أعظمُ حيرةً من فارسٍ تحت القِتام
لا يستطيع الانتصار، ولا يُطيق الانكسار
والقتام هو غبار الحرب طبعاً، والوصف مطابق جداً لأنّ الحديث يدور عن غبار الحرب، أو أجوائها، لا عن الحرب ذاتها، وهو وضع تزيد من تعقيده قيود متبادلة، عند الطرفين، كما سنرى.
المسارات الأربعة الممكنة حالياً بحسب نظرية الألعاب
هو مأزق استراتيجي إذاً، بحسب نظرية الألعاب Game Theoryعندما لا يستطيع الطرف الأقوى أن يهزم الطرف الأضعف، بحسب موازين القوى التقليدية التي يتفوّق فيها الطرف الأمريكي-الصهيوني بالضرورة، إلا بدفع كلفة باهظة تفوق الاحتمال.
عندها، يصبح الانسحاب أجدى، كما نرى مثلاً في برامج الطبيعة عندما يتراجع أسدٌ أو دبٌ كبير عن مواجهة خصمٍ أضعف، أو أصغر حجماً، يردّ بمقاومة شرسة جداً. لكنْ، ماذا لو كان الانسحاب يمثّل تقويضاً جذرياً لنفوذه في الغابة، إقليمياً ودولياً؟
تضع نظرية الألعاب هنا 4 مسارات محتملة لتطوّر الأحداث:
– المسار الأول: خوض حرب استنزاف مفتوحة، أقلّ من الحرب الشاملة، حتى يشعر أحد الطرفين أنّ كلفة الاستمرار أكبر من كلفة التوقّف. وبما أنّ المحور يقاتل دفاعاً عن وجوده، والطرف الأميركي عن حدود نفوذه، فإنّ الأخير هو المرشّح للتوقّف أولاً، سوى أنّ ما يعقّد المعادلة هنا أنّ الطرف الصهيوني يرى المسألة كصراع وجود أيضاً، لا كصراع على حدود النفوذ فحسب.
– المسار الثاني: الردع غير المتناظر، وإرسال إشارات رفع التكلفة، وهو أن يبدي الطرف الأضعف استعداده لخوض المعركة حتى النهاية، ولو أدّى ذلك إلى فنائه، من أجل أن يكبّد الطرف الأقوى خسائر غير محتملة إذا قرّر خوض حرب شاملة. وكلنا شاهد صور وفيديوهات الدمار الذي لحق بالقواعد الأميركية في المنطقة، أو بناقلات النفط التي تحاول عبور هرمز خلسةً.
–المسار الثالث: أن يتوصّل الطرف الأقوى إلى نتيجة حاسمة أنّ كلفة الحرب أكبر من عوائدها بالنسبة إليه، فيحاول الوصول إلى تسوية تفاوضية، وهو الأمر الذي لمّا تُجمعْ عليه إدارة ترامب بعد، وخصوصاً أنّ وزير الخارجية روبيو، ووزير الحرب هيغسيث، يدفعان باتجاه التصعيد، في مقابل ميل نائب الرئيس والمبعوث ويتكوف للتوصّل إلى اتفاق.
–المسار الرابع: عدم التوصّل إلى اتفاق رسمي، وإدراك الطرفين للكلفة الباهظة للحرب المفتوحة الشاملة بينهما، الأمر الذي قد يدفعهما للتوصّل إلى نوع من “تقاسم نفوذ” إقليمي غير معلن، يتخلّى الطرف الأميركي بموجبه عن جزء من نفوذه في المنطقة لإيران واضعاً، في الآن عينه، خطوطاً حُمُراً أمام إيران عندما يشعر أنها تمادت أكثر مما يحتمل.
وهي نتيجة قد تبدو منطقية في ظروف صعوبة خوض حرب شاملة، وصعوبة التوصّل إلى اتفاق تفاوضي، في آنٍ واحد. كما أنها النتيجة التي يزعم بعض من يتخذون موقفاً “حيادياً” بين محور المقاومة والطرف الأميركي-الصهيوني أنه جرى التوصّل إليها سلفاً بين الطرفين.
لكنْ، بعيداً عن التفاهمات المضمرة أو المعلنة بين الطرفين لمنع تدحرج الأمور فجأةً إلى حرب شاملة مفتوحة خارج السيطرة، وبعيداً عن الخطوات الموضعية والمؤقتة التي يركّز عليها الوسطاء، مثل قبول إيران بقيود مؤقتة على نسب تخصيب اليورانيوم في مقابل فكّ تجميد جزء من الأصول الإيرانية، أو فتح خطوط الشحن البحري في مقابل هذا أو ذاك لإيران… إلخ.



