اراء

حوار الرياضة

بقلم/ سمير السعد..

تظل الرياضة مرآة للمجتمعات وساحة تتجسّد فوق منصّاتها قيم التنافس والاحترام والانتماء، وتبقى الشاشة الرياضية نافذة يتطلع من خلالها الجمهور إلى المعرفة والتحليل واستعادة الذاكرة واستحضار الإنجازات، غير أن بعض المشاهد الحوارية التي تطل علينا بين الحين والآخر تثير تساؤلات جدية حول طبيعة الخطاب الإعلامي والرسالة التي ينبغي أن يحملها إلى المتلقي.

إن الذي يشتم عندما يناقش، ويهين عندما ينتقد، ويسخر عندما يعجز عن الرد، لا يقدم حوارًا مهنيًا، ويكشف عن أزمة في إدارة الاختلاف قبل أن تكون أزمة في إدارة العلاقة مع الآخرين. وهذه الممارسات نشاهدها لدى بعض ضيوف البرامج بمختلف خلفياتهم وانتماءاتهم، دون استهداف أشخاص بأعينهم، كما تتحمّل بعض البرامج مسؤولية في ضبط إيقاع النقاش وإدارة الاختلاف ومنع تحوله إلى مشاحنات وصوت مرتفع ومقاطعات وتهرُّب من الإجابة ومحاولات للتأثير على الضيف الآخر!

وتبرز هذه الظاهرة في بعض البرامج الرياضية والسياسية، وإن كان حديثنا هنا ينصبّ على الإعلام الرياضي الذي يفترض أن يكون مساحة للمعرفة والتحليل وتبادل الرأي. متى تنتهي هذه السجالات، وما الجهات المسؤولة عن وضع الضوابط ومحاسبة المتجاوزين وفق القانون والأصول المهنية، وأين دور المؤسّسات الإعلامية والجهات الرقابية في حماية الذوق العام وحق الجمهور في متابعة محتوى هادف؟

إن الشاشة الرياضية تمتلك فرصة كبيرة لإعادة توجيه اهتمام الجمهور نحو تأريخ الألعاب ومحطاتها المهمة ومنجزاتها ورموزها الوطنية، من خلال تخصيص فقرات تستعرض الأبطال والبطولات والظروف التي تحققت فيها الإنجازات، حتى يتعرّف جيل اليوم على تأريخ رياضته ويستطيع إجراء مقارنة موضوعية بين الماضي والحاضر، مع مُراعاة اختلاف الإمكانيات والظروف والأدوات المتاحة لكل مرحلة.

لقد شهدت الرياضة العراقية محطّات مُشرقة صنعتها المواهب والإرادة والرغبة في تمثيل الوطن ورفع علمه، واليوم، ومع اتساع الإنفاق وتطور عقود اللاعبين، تتطلّع الجماهير إلى نتائج تتناسب مع حجم الإمكانيات، غير أن واقع الألعاب الجماعية ككرة السلة والطائرة واليد ما زال يحتاج إلى مراجعة جادة تشمل البنى التحتية والتخطيط العلمي واكتشاف المواهب وتطوير المسابقات والاستثمار في الفئات العمرية، كما تحتاج الألعاب الفردية إلى برامج إعداد مستدامة تواكب التطور الذي تشهده الرياضة في بلدان أخرى.

ولا يمكن إغفال أبطال البارالمبية وأصحاب الهمم الذين قدّموا صورًا مشرقة من العزيمة والتحدي ورفعوا اسم العراق في المحافل الدولية، وهؤلاء يستحقون اهتمامًا حكوميًا وإعلاميًا يتناسب مع ما يقدمونه من تضحيات وإنجازات، من خلال توفير الدعم المالي والمعنوي والرعاية والتجهيزات وفرص الإعداد والمشاركة.

إن الإعلام الرياضي الوطني أمام مسؤولية تتجاوز صناعة الإثارة واستقطاب المشاهدات إلى بناء الوعي وحفظ الذاكرة الرياضية ومساءلة المؤسسات بمهنية وموضوعية.

فهل نشهد ضوابط مهنية تنهي فوضى السجالات وتحفظ قيمة الحوار، وهل تتحوّل برامجنا الرياضية إلى منصّات توثق الإنجازات وتناقش أسباب التراجع وتمنح الأبطال حقهم من الاهتمام، ومتى تصبح الإمكانيات المتاحة نتائج ملموسة على منصّات التتويج؟ إنها أسئلة تنتظر إجابات عملية من الإعلام والمؤسّسات الرياضية والحكومة، لأن الجمهور يستحق معرفة تليق بتأريخه وطموحه، والرياضة العراقية تستحق مستقبلاً يوازي أمجادها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى