“إسرائيل” والفلسطينيون.. أزمة شعب لن يختفي

بقلم: ليلى نقولا..
في الأيام التي تلت إعلان نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، تميّز المشهد السياسي الإسرائيلي بمفارقة لافتة، فالأحزاب المتنافسة، على الرغم من خلافاتها الجوهرية حول المسؤولية عن أحداث 7 أكتوبر، وتجنيد الحريديم، والإصلاح القضائي وغيرها من القضايا، كانت متفقة على أمر واحد: لا أحد يريد العرب، ولا أصواتهم، ولا تأييدهم، ولا دورهم الحاسم في إنتاج السلطة.
شدّد معسكر بنيامين نتنياهو على ضرورة قيام “أغلبية يهودية”، فيما تحدث خصومه في معسكر غادي أيزنكوت عن الحاجة إلى “أغلبية صهيونية”. اختلف الطرفان على تعريف الأغلبية المطلوبة، لكنهما التقيا عند نقطة واحدة: البحث عن شرعية الحكم خارج الأصوات العربية، أو على الأقل خارج أي دور عربي حاسم في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
ظاهرياً يبدو الأمر جزءاً من العنصرية الصهيونية المعتادة، لكن خلفها تختبئ اليوم مسألة أعمق بكثير: ماذا يحدث عندما يكتشف مشروع استيطان احتلالي أن الشعب الأصلي لم يختفِ؟
بعد أعوام من الحروب المتواصلة، وبعد عقود من الاستيطان، واستغلال أحداث 7 أكتوبر لتوسيع المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، بدا أن الحرب أعادت توحيد الإسرائيليين حول الأمن والخوف الجماعي. غير أن الانتخابات الأخيرة كشفت أن هذه الوحدة كانت ظاهرية ومؤقتة؛ فبمجرد عودة السياسة، عادت الانقسامات والتناقضات التي لم تستطع الحرب إخفاءها.
يمكن النظر إلى الجدل الدائر حالياً حول “الأغلبية اليهودية” و”الأغلبية الصهيونية” بوصفه أكثر من مجرد خطاب انتخابي، بل هو تعبير عن أزمة أعمق تواجه المشروع الصهيوني في مرحلته الراهنة: أزمة تعريف الجماعة السياسية التي تمتلك حق الحكم.
كلا الطرفين يرفض تعريف الشعب باعتباره مجموع المواطنين كافة، وكلاهما يسعى إلى وضع حدود معينة للجماعة التي تملك حق إنتاج الشرعية السياسية. ويتجسد هذا التوجه سياسياً وقانونياً في قانون القومية لعام 2018، الذي كرّس حق تقرير المصير القومي في “إسرائيل” للشعب اليهودي، بما يعكس محاولة تثبيت تعريف إثني محدد للجماعة صاحبة السيادة.
وهكذا، تكشف الأزمة الحالية حدود مشروع “محو السكان الأصليين” الذي رافق التجربة الصهيونية منذ بداياتها، فلم يعد استمرار الوجود الفلسطيني مجرد حقيقة ديموغرافية وجغرافية، بل أصبح واقعاً سياسياً يفرض نفسه على معادلات الحكم والشرعية.
سعى المشروع الصهيوني تأريخياً إلى تأسيس سيادة قومية يهودية، لكن الانتخابات أعادت التذكير بحقيقة أساسية: الفلسطينيون لم يختفوا. لم يختفوا ديموغرافياً. ولم يختفوا جغرافياً. ولم يختفوا سياسياً. بل بقوا داخل المجال السياسي نفسه، وبالتالي عادوا في هذه الانتخابات ليصبحوا جزءاً من معادلة إنتاج السلطة.
وعليه، إن حصول القوائم العربية على ما يقارب 19 مقعداً في الانتخابات الحالية لا يمثل مجرد زيادة في الوزن البرلماني، بل أعاد طرح مسألة الحضور الفلسطيني بوصفه عاملاً مؤثراً في معادلات تشكيل السلطة. وبالنظر إلى السياسات العسكرية والاستيطانية المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني، فمن المتوقع أن تتجه “إسرائيل”، في مواجهة هذه المعضلة البنيوية، إلى مسارات مختلفة للتعامل مع معضلة بقاء الوجود الفلسطيني وتحوله إلى قوة سياسية قادرة على التأثير في تشكيل السلطة.
ويمكن تصوّر ثلاثة مسارات رئيسة في هذا المجال، هي على الشكل الآتي:
المسار الأول.. توسيع الديموس
المقصود بالديموس الجماعة السياسية التي تُعدّ صاحبة الحق في المشاركة في إنتاج السلطة وتحديد شرعيتها. ويعني هذا المسار الانتقال من مفهوم “الدولة” التي تستمد شرعيتها السياسية من انتمائها القومي اليهودي إلى مفهوم “الدولة” التي تستمد شرعيتها من مجموع مواطنيها، بغضّ النظر عن انتماءاتهم القومية أو الإثنية.
لكن هذا المسار يستلزم مراجعة الأسس الدستورية والقانونية التي تكرّس التفوق القومي اليهودي، وفي مقدمتها قانون القومية لعام 2018، وإعادة تعريف العلاقة بين الهوية القومية للدولة ومبدأ المواطنة المتساوية.
واقعياً، إن المؤشرات السياسية الحالية، وانحياز قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين القومي والديني، تجعل هذا المسار بعيداً عن التحقق في المدى المنظور.
المسار الثاني.. إدارة التناقض
أي استمرار الوضع الحالي القائم على نموذج من «الديمقراطية الانتخابية» ضمن حدود إثنية، مع إبقاء المواطنين العرب داخل المجال القانوني والانتخابي، ولكن مع تهميش دورهم في إنتاج السلطة التنفيذية.
ويقوم هذا النموذج على الفصل بين الاعتراف بالمواطنين العرب باعتبارهم أفراداً يتمتعون بحقوق مدنية وانتخابية، وبين الاعتراف بهم باعتبارهم جماعة قومية شريكة في تحديد طبيعة “الدولة” ومستقبلها، وهو النموذج الذي ساد خلال العقود الماضية، وإن بدرجات متفاوتة، حيث أمكن الجمع بين آليات انتخابية تنافسية وبين أشكال من التمييز القومي والمؤسساتي.
المسار الثالث.. تقليص الديمقراطية لحماية الطابع الإثني للدولة
في ضوء تصاعد الخطاب القومي والديني داخل “إسرائيل”، قد يتحول الشعور بتزايد الوزن السياسي العربي، أو بإمكانية تحوّله إلى قوة مؤثرة في تشكيل الحكومات، إلى مبرر لتوسيع القيود على المشاركة السياسية والتمثيل البرلماني.
في هذه الحالة، قد تتجه “إسرائيل” نحو تشديد قوانين الولاء السياسي، وتوسيع سياسات نزع الشرعية عن الأحزاب العربية، وفرض قيود إضافية على التمثيل السياسي، بما في ذلك محاولات منع أحزاب عربية من الاشتراك في الانتخابات، أو استخدام الأدوات القانونية والمؤسساتية لتقليص قدرتها على التأثير في معادلات الحكم. وقد يمتد ذلك إلى إعادة تعريف المواطنة عملياً، من خلال تعميق التمايز بين الحقوق الفردية والحقوق القومية.
يرتبط تحقق هذا المسار بالحصول على غالبية وازنة لليمين المتطرف في الكنيست تستطيع تمرير تلك القوانين. وفي هذا السياق، يكتسب مشروع إضعاف المحكمة العليا أهمية تتجاوز الخلاف حول توازن السلطات، إذ يرتبط أيضاً بمستقبل الحماية القضائية للحقوق المدنية والسياسية للأقليات، وحدود قدرة المؤسسات القضائية على مواجهة نزعات الأغلبية القومية. وبهذا المعنى، لا تكشف الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة أزمة ائتلافات أو حكومات بقدر ما تكشف عودة السؤال التأسيسي الذي رافق المشروع الصهيوني منذ بداياته: من هو الشعب الذي يملك حق تعريف “الدولة” ومصدر الشرعية فيها؟



