اراء

انتخابات “الكنيست” كاشفة عن الانقسام داخل الكيان الغاصب

بقلم: إيهاب شوقي..

لا شك أن متابعة الانتخابات “الإسرائيلية” لا بد أن تنطلق من مبدأ الرصد والمراقبة لا من مبدأ التعويل أو الرهانات على النتائج، حيث لا يعتني المقاومون للمشروع الصهيوني بمن يقود الكيان، بينما يعنيهم وضع الكيان وجبهته كأحد وأهم المعطيات في إعداد استراتيجيات المواجهة.

وقد لخّص الشيخ نعيم قاسم موقف جبهات المقاومة بالقول إنه: “لا يعنينا من يحكم الكيان “الإسرائيلي”، لكن فليعلم أنَّه لن يتمكن من الاستمرار في احتلاله وعليه أن يخرج من أرضنا“.

وبالمراقبة فإننا إزاء أزمة سياسية كبرى وانقسامات حادة تعصف باستقرار الكيان، ولعل من أكبر مصاديق هذا التوصيف هو لجوء مجرم الحرب نتنياهو إلى التشكيك في النتائج واتهام قطر بالتدخل في الانتخابات، ولعل من أهم المؤشرات الخطيرة الاشتباكات الدموية بين الحريديم والشرطة الصهيونية.

لماذا لا يتم التعويل على الانتخابات ونتائجها؟

لا شك أن أيزنكوت لا ينافس نتنياهو فقط في الانتخابات، وإنما ينافسه في جرائم الحرب، فبينما قاد نتنياهو حروب الإبادة والدمار والاغتيالات، فإن أيزنكوت ترقى في الجيش الصهيوني على خلفية الإجرام، وهو صاحب “عقيدة الضاحية”، حيث بلور هذه العقيدة المنسوبة للضاحية الجنوبية في بيروت، على مبدأ تدمير البنى التحتية المدنية والردود غير المتناسبة ومبدأ الأرض المحروقة لردع المقاومة وجمهورها، كما كان شريكًا في “الكابينيت” الذي أشرف على حرب الإبادة في غزة.

كما أن اليمين واليسار الصهيوني، كلاهما وجهان لعملة احتلال واحدة، والحرب على إيران وجبهات المقاومة هي محل إجماع واتفاق، وإن بدت تمايزات في إخراج الصورة وصياغة الخطاب والمناورة، ولكن الثابت هو الإجماع، كما أن التنافس والنكايات السياسية هي التي توحي بهذا التمايز الذي لا ينفذ إلى الجوهر ولا يتخطى مجال التكتيك إلى مجال الاستراتيجية.

الأزمة السياسية الصهيونية وسياقها الممتد:

وبمتابعة نتائج الانتخابات من مبدأ الرصد لوضع الكيان، فإننا أمام أزمة سياسية طاحنة، تُعد امتدادًا لسياق تأريخي يشهد تراجع المسار الاستراتيجي للكيان.

وللتذكير، فقد تم حل “الكنيست الإسرائيلي” 5 مرات متتالية بين عامي 2018 و2022 نتيجة الأزمة السياسية والتعثر الحكومي الشديد، إلى جانب حل الكنيست الخامس والعشرين في عام 2026 تمهيدًا للانتخابات الأخيرة.

حقائق مباشرة يمكن استخلاصها من النتائج:

وقبل الخوض في دلالات النتائج الأخيرة وتحليلها لاستخلاص طبيعة الانقسامات وخطورتها، فإنه لا بد من استعراض ملخص للنتيجة وتشكيلة المعسكرات:

فقد أسفرت نتائج انتخابات الكنيست “الإسرائيلي” عن حالة جمود سياسي وانسداد برلماني، حيث لم يتمكن أي من المعسكرين الرئيسيين من تأمين الأغلبية الحاسمة (61 مقعدًا) لتشكيل الحكومة.

وتوزعت مقاعد الكنيست بين ثلاثة تكتلات رئيسة:

1. معسكر بنيامين نتنياهو (اليمين والحريديم): حصد 53 مقعدًا (يقوده حزب “الليكود” بـ27 مقعدًا، إلى جانب الأحزاب المتشددة والدينية مثل “شاس”، “يهدوت هتوراه”، و”الصهيونية الدينية”).

2. معسكر المعارضة (معسكر التغيير): حصد 48 مقعدًا (يقوده رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت عبر حزب “يشار” بـ21 مقعدًا، إلى جانب تحالف “معًا” بقيادة بينيت ولبيد، وحزبي “الديمقراطيون” و”إسرائيل بيتنا”).

3. الأحزاب العربية: وحصلت على 19 مقعدًا.

وهنا يمكن استخلاص هذه الحقائق:

1– تصاعد الانقسام العمودي بين الصهاينة والعرب، حيث استقلت الكتلة العربية بمقاعدها بينما ترفض كلا الكتلتين الصهيونيتين علنًا التعاون معها أو الاستعانة بها، ناهيك عن الدعايات المتطرفة والممارسات التي شابت الانتخابات.

2– تصاعد الانقسامات الأفقية بين الأحزاب الصهيونية، حيث وصلت الأمور لهذا الشلل السياسي بسبب حدة الاستقطاب وصعوبة تشكيل حكومة وحدة وصعوبة استقطاب أي من المعسكرين لأي تكتلات من المعسكر الآخر.

3– الانقسام في اليمين نفسه، حيث ذهبت كتل يمينية إلى معسكر المعارضة لمجرد الإطاحة بنتنياهو وائتلافه.

4– التصويت العقابي والذي جلب مقاعد غير مسبوقة في الوسط العربي، كما أدى إلى تحالف معسكر المعارضة، وهو ما يعني مباشرة أن نتنياهو أصبح محل رفض واسع وأنه أصبح يتحدى أغلبية قاطني الكيان وأنه أصبح خطرًا مباشرًا على أمن واستقرار الكيان.

5– تراجع الهيبة الأميركية، حيث لم يشفع دعم ترامب العلني لنتنياهو في نتائج الانتخابات ولا تصريحات الكتل الحزبية المعارضة لنتنياهو.

6– كان للمقاومة وصمودها ولعملية طوفان الأقصى دور كبير في تعميق هذه الانقسامات والاتهامات المتبادلة بالفشل وانهيار صورة الكيان دوليًا وملاحقة المحكمة الجنائية الدولية لقادته.

السيناريوهات المتوقعة:

قد تضغط أميركا على بعض الكتل لإنقاذ الوضع، بينما تشير الترجيحات إلى أن الفشل في تشكيل حكومة هو الأرجح وأن إعادة الانتخابات هي الأكثر واقعية، وهو ما يعني استمرار قيادة نتنياهو للحكومة في هذه المرحلة الانتقالية، والدفع لمزيد من التطرف والعدوان واختلاق الحروب مع إيران والمقاومة وخلق الذرائع تحايلًا على الفشل السياسي.

ولكن هذا لا يغير من حقيقة انقسامات الكيان وتشظي جبهته الداخلية وتعمق الملفات الخلافية والاتجاه نحو التصعيد في الشارع، وهو ما بدت بوادره في اشتباكات الحريديم مع الشرطة، وفي تصريحات المعارضة التي لوحت بالصِّدام مع خطط نتنياهو، ناهيك عن تحفز بن غفير وسموتريتش ونواياهما للانتقام من الوسط العربي، وهو ما ينذر بأكثر من مجرد الجمود السياسي، حيث تشي الأمور بانتقال الصراع إلى الشارع وصداماته الأهلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى