اراء

الكل يدري ويدّعي أنه لا يدري

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي ..


بعيدا عمَّا يعانيه الشعب من أزمات متراكمة من الكهرباء الى الماء الى البطالة والغلاء للحد الذي أمست تلك الأزمات من بديهيات البلايا لغالبية الناس إلا أن الحقيقة الأخطر في العراق هي الأزمات ذات الصلة بكينونة الدولة ومستقبل البلاد والتي لم تعد استثناء بل أصبحت طريقة لإدارة الدولة . فساد ينهش المال العام وسطوة الفاسدين على مصادر القرار وضغوط أمريكية تلوّح بالحصار والعقوبات وحروب مشتعلة في الجوار تهدد بتحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات . ومع كل ذلك غياب تام لقوة القرار وعدم حضور الإرادة التي تواجه هذه التحديات وحدود مخترقة من الأتراك فيما يتصرف الجميع وكأن شيئا لم يكن والخطرَ بعيدٌ كل البعد وكأن العراق يملك ترف الانتظار . الفساد العراقي لم يعد سرقة عابرة بل منظومة تحمي نفسها عبر المحاصصة والولاءات وتبادل المصالح . كلما جاءت حكومة وأعلنت المباشرة بمحاربة الفاسدين تتوقف عند حدود التصريحات . تُهدر المليارات وتتراجع الخدمات ويُطلب من المواطن أن يثق بدولةٍ عاجزة عن كشف لصوص المال العام الذين تعلمهم وتدّعي أنها لا تعلمهم . أو استرداد ما نُهب منها باستثناء غيض من فيض الأموال المنهوبة ابتداءً من مئات المليارات في شمال العراق من ثروات نفطية ومنافذ حدودية الى ما تنهبه حيتان الفساد من ساسة السنة والشيعة والأكراد ،في الجانب الآخر يلوّح الأمريكيون بالحصار والضغط الاقتصادي على العراق ما لم تكن حكومة بغداد طائعة خانعة مسلّمة لثرواتها وقرارها بيد كهنة البيت الأبيض ! فيما تقف بغداد مرتبكة بين خطاب السيادة في أرض بلا سيادة وسماء بلا سيادة وحسابات الخنوع المطلوب والذل المعلوم . نحن نعلم أننا نفتقد الى قرار أمني وسياسي موحّد والدولة التي تتعدد فيها مراكز النفوذ وتتنازعها الولاءات الطائفية والعرقية تصبح مكشوفة أمام الضغوط عاجزة عن فرض شروطها أو حماية مصالح شعبها . أما تداعيات العدوان الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية والحرب التي تجاوزت شهرها السابع فهي ليست بعيدة عن العراق . بل إن احتمالية عبور تداعياتها للحدود العراقية قائمة في أي لحظة خصوصا مع غياب الحضور الفعلي للقوات العراقية والحشد الشعبي في الحدود الفاصلة مع إيران من جهة كردستان العراق وحكومة بغداد عاجزة عن إرغام حكومة البارزاني على الخضوع للدستور وفتح الإقليم للقوات المسلحة الاتحادية . لكن الحكومة التي تدري بكل ذلك تدّعي أنها لا تدري . المشكلة أن الكثيرين يعرفون ولا يريدون أن يعرفوا لأن الاعتراف يفرض المواجهة والمواجهة تهدد مصالح المتنفذين وأقسى ما تعلمه الحكومة وتدّعي أنها لا تعلمه ونحن نقترب من موعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق إن عشرات الفصائل التي تحمل السلاح خارج سيطرة الدولة خصوصا في الشمال من البيشمركة وما يسمى بالمعارضة الإيرانية وحزب العمال إضافة الى فصائل حرس نينوى لأثيل النجيفي وهلُمَّ جَرَّا . العراق بأمس الحاجة الى دولة تحتكر القرار وقضاء يحاسب بلا استثناء وسياسة خارجية متوازنة واقتصاد يمنح البلاد استقلالها . أما استمرار الصمت والتغليس فلن يكون حيادا بل شراكة في الانهيار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى