اراء

الحروب لا تعيد رسم الخرائط بل توزيع القوة

بقلم: أمل خضر..

أخطر خطأ في قراءة حروب اليوم هو الاعتقاد بأن المعركة تدور فقط حول الأرض. لأنها هي المشهد، لكن المعركة الحقيقية تدور حول من سيملك القرار بعد أن تصمت المدافع فكل حرب طويلة تعيد ترتيب النفوذ وتعيد توجيه رأس المال وتغير طرق التجارة والطاقة، وتختبر التحالفات وتدفع الدول إلى إعادة تعريف أمنها ومصالحها. ولهذا فإن العالم لا يعجز دائمًا عن إيقاف الحرب أحيانًا بل يكون الخلاف الحقيقي حول من سيدفع ثمن السلام ومن سيحصد مكاسبه.

لقد تغيرت طبيعة القوة. لم تعد الدبابة وحدها تقيس قدرة الدولة كما لم يعد حجم الاقتصاد وحده كافيًا، القوة اليوم هي القدرة على الجمع بين السلاح والمال والتكنولوجيا والتحالفات والموقع الجغرافي ثم تحويل هذه العناصر إلى نفوذ سياسي. ولهذا أصبحت الموانئ وممرات الطاقة وسلاسل الإمداد والبنية الرقمية وأشباه الموصلات جزءًا من الأمن القومي بقدر ما هي جزء من الاقتصاد. من يسيطر على نقاط الاختناق لا يحتاج دائمًا إلى السيطرة على كامل الخريطة.

وهنا يصبح الاقتصاد لغة ثانية للحرب ،فالعقوبات تستطيع أن تستنزف والطاقة تستطيع أن تضغط، واضطراب التجارة يستطيع أن يرفع تكلفة الصراع على دول لم تدخل الحرب أصلًا. وفي المقابل تدفع الأزمات الدول إلى تنويع مصادر الطاقة، وإعادة بناء سلاسل الإمداد وزيادة الإنفاق الدفاعي والبحث عن شركاء جدد. وبذلك لا تكتفي الحرب بتدمير الاقتصاد القائم إنها تعيد تشكيل الاقتصاد الذي سيأتي بعدها.

لكن التحول الأخطر هو أن النظام الدولي نفسه لم يعد ثابتًا كما كان. العالم يتحرك نحو تعدد أكبر في مراكز القوة وهذا يعني أن النفوذ لم يعد يُمارس فقط عبر المواجهة المباشرة بل عبر شبكات من الشراكات والممرات التجارية والاستثمارات والتكنولوجيا والقدرة على تقديم بدائل. الدول المتوسطة بدورها لم تعد مضطرة دائمًا إلى الارتهان لمحور واحد تستطيع أن تناور بين القوى وتبيع موقعها الجغرافي أو سوقها أو مواردها أو شراكاتها لمن يقدم العرض الأفضل.

ولهذا فإن بعض الحروب تتحول إلى اختبار للنظام الدولي أكثر من كونها نزاعًا محليًا. كل طرف يحاول تحسين موقعه وكل قوة خارجية تحاول منع خصمها من تحويل الأزمة إلى مكسب استراتيجي. وعندما تدخل هذه الحسابات على خط الصراع تصبح التسوية أكثر تعقيدًا لأن إنهاء الحرب لا يعني فقط وقف إطلاق النار، بل تحديد شكل النفوذ الذي سيحل مكانها.

وهنا تظهر محدودية المؤسسات الدولية. المشكلة ليست أن العالم يفتقر إلى القوانين، بل إن القانون يعمل داخل نظام غير متساوٍ في القوة. وعندما تتقاطع القواعد مع مصالح القوى الكبرى تصبح القدرة على التنفيذ هي الاختبار الحقيقي. لذلك قد تنجح الدبلوماسية في إيقاف التصعيد، لكنها لا تنجح بالضرورة في إزالة أسبابه وقد تنجح في صناعة هدنة بينما يبقى الصراع الحقيقي مؤجلًا إلى طاولة أخرى.

والهدنة نفسها قد تكون بداية حرب من نوع مختلف. بعد توقف القتال تبدأ معركة إعادة الإعمار وإعادة التموضع واستعادة الأسواق وتحديد الشركاء ورسم أولويات الأمن. من يدفع تكلفة إعادة البناء لا يشتري النفوذ فقط بل يشتري قدرة على التأثير في شكل المستقبل. ولهذا فإن مرحلة ما بعد الحرب قد تكون في بعض الأحيان أهم استراتيجيًا من الحرب نفسها.

ومن هنا يصبح تعريف الانتصار أكثر تعقيدًا قد يربح طرف أرضًا ويخسر اقتصادًا أو يخسر معركة ويكسب تحالفات جديدة، أو يخرج عسكريًا أضعف لكنه سياسيًا أكثر قدرة على المناورة. الانتصار الحقيقي لا يقاس بعدد المواقع التي تغيرت بل بقدرة الدولة على تحويل نتائج الحرب إلى نفوذ مستدام بأقل كلفة ممكنة.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يشغل صناع القرار ليس فقط كيف نوقف الحرب؟ بل ما المعادلة التي تجعل السلام في مصلحة جميع الأطراف؟ فالدول لا تتخلى عن خياراتها الاستراتيجية لأن العالم يطالبها بالأخلاق وإنما عندما تتغير حسابات الربح والخسارة. السلام الذي لا يراعي مصالح الأطراف يبقى هشًا والحرب التي تظل مربحة لبعض اللاعبين تجد دائمًا طريقًا للعودة.

القوة الحقيقية إذن ليست في القدرة على إطالة الحرب بل في القدرة على تغيير الحساب الذي جعلها ممكنة. الدولة الأكثر تأثيرًا ليست بالضرورة من تملك أكبر ترسانة، وإنما من تستطيع الجمع بين الردع والدبلوماسية والاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات ثم استخدام هذه الأدوات لمنع خصومها من الوصول إلى النقطة التي تصبح فيها الحرب خيارًا مغريًا.

وهنا المفارقة الكبرى العالم ينفق مليارات الدولارات على أدوات الحرب، لكنه لا يزال عاجزًا عن الاستثمار بالقدر نفسه في هندسة السلام. مع أن السلام المستدام ليس أقل استراتيجية من الردع إنه البيئة التي تسمح للاقتصاد بالنمو، وللتجارة بالاستقرار وللاستثمار بالعودة وللدول بتحويل مواردها من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.

لذلك قد لا يكون السؤال الأهم في أي حرب هو من انتصر ولا حتى متى توقفت.

السؤال الأهم هو، من سيملك القدرة على كتابة قواعد ما بعد الحرب؟.

لأن المعركة قد تنتهي عندما تصمت المدافع لكن الصراع على النفوذ يبدأ في اللحظة نفسها.

ومن يملك الاقتصاد والتحالفات، والتكنولوجيا ومفاتيح الإعمار، والقدرة على تقديم البديل قد يكتشف أن أخطر لحظة في الحرب ليست لحظة إطلاق النار، بل لحظة توزيع ما تركته خلفها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى