اخر الأخباراوراق المراقب

المرأة والأداة الأقوى للتعبير عن الشخصية

محمد علي جواد تقي..

سجلت المرأة في صدر الإسلام مواقف مميزة صنعت بها أحداث جمّة، وفي نفس الوقت عبّرت عن شخصيتها الجديدة في ظل النظام الاجتماعي الإسلامي، فهي لم تعد تلك الراثية لموت الأب أو الزوج أو الأخ في سوح القتال بين القبائل العربية، كما كانت الخنساء تمثل الوجه الأبرز لشخصية من هذا النوع، وإنما وجدت نفسها في ظل الإسلام أمام أفق أبعد لأدوار ذات تأثير على الحدث السياسي، وعلى البناء الفكري والثقافي للأمة.

هذه الأدوار البارزة في ناصية التأريخ لم تكن أدواتها السلاح الذي يتمنطق به الرجال، وإنما الكلمة البليغة والخطاب الفصيح والنافذ، مشفوعاً بالأدلة والبراهين لنصرة الحق وأهله، وخذلان الباطل وأهله.

وإذا نريد المثل الأعلى للمرأة في الاسلام في هذا المسار، فإن الخطباء والأدباء والكتاب أفرغوا ما في جعبتهم لإظهار الدور الرسالي العظيم للصِّدِّيقة فاطمة الزهراء، عليها السلام، من خلال سلاح الكلمة، وكيف أنها تصدّت بشجاعة فائقة لتيار الانحراف عن الرسالة بعد رحيل أبيها رسول الله، صلى الله عليه وآله، ولو أن الكلام لن يفي بحق هذه الصديقة الطاهرة وما قدمته للإسلام كعقيدة ونظام للحياة ما يضمن حياته وسلامته الى يوم القيامة، ولعل أهم دور يمكن الاشارة اليه؛ تحفيز نساء المسلمين على التسلّح بالكلمة الصادقة والمسؤولة لمواجهة أي انحراف في الأمة.

فعندما تتعرض هذه الأمة لفتنة سوداء تتمثل في تولّي شخص معاوية بن أبي سفيان قيادة الأمة بعد واقعة “الهدنة”، ويصفو له الجو، بعد استشهاد أمير المؤمنين، وتنحّي الامام الحسن عن الحكم –وليس الخلافة والقيادة الإلهية- فإن المسؤولية تقع على أفراد الأمة للنهوض وخوض الحرب الباردة بعد توقف الحرب الساخنة لئلّا يزول الحقُ عن مَحلّهِ ويَغلبَ الباطلُ على أهله”، كما نقرأ في دعاء النُدبة، وهذا ما برعت فيه نخبة من النساء المسلمات الرساليات في فترة تولي معاوية الحكم المطلق على الأمة بالتوافد عليه في قصره بالشام بدعوة منه تارةً، و بمبادرة منهنّ لتقديم شكوى أو قضية تخصّ أوضاع الأمة.

وقبل الخوض في أمثلة رائعة من هذا التراث الأدبي –الرسالي الثرّ، أجدني ملزماً بالإشارة الى فضل الامام الحسن المجتبى، سلام الله عليه، في فترة تولّي معاوية زمام الحكم بعد تنحية فيما بات يُعرف بـ”صلح الإمام الحسن”، وهو لم يعدو كونه هُدنة لا غير، فقد سجل التأريخ سلسلة مناظرات أجراها الإمام في محضر الأمويين وأمام شخص معاوية خلال سفره الى الشام لعدة مرات، وخلالها شن الإمام الحسن حروباً كلامية سجل فيها انتصارات باهرة، إذ كان يخرج من الشام وقد أفحم القوم، وأظهر زيفهم، وافتقارهم لشرعية الحكم، بل وكشف ضلالة منهجهم وحنينهم الأبدي الى الجاهلية، وهو ما جرّأ عديد المسلمين من حملة الوعي والثقافة الرسالية، ومنهم النساء من نخبة المجتمع الاسلامي، لأن يقولوا كلمة الحق عند سلطان جائر.

في هذا الحيّز نذكر نموذجين فقط من تلكم المواقف النسوية المشرفة، وفي التأريخ العديد منها لمن يريد مراجعة كتاب “أخبار الوافدات على معاوية” للعباس بن بكار.

ومما جاء في هذا المؤلف، أن معاوية أراد توجيه ضربة نفسية لآمنة؛ زوجة عمرو بن الحمق الخزاعي، أحد أبرز رجالات أمير المؤمنين، فبعد ارتكابه جريمة قتله ظلماً وعدواناً في قصة معروفة مع حجر بن عدي الكندي، أمر بإرسال رأسه الى زوجته وإلقائه في حجرها! لطعن مشاعرها وكسر معنوياتها، ثم أمر بحفظ ما تقول في ردّها، فقالت لرسول معاوية: “واحزناه لصغره فِي دَار هوان وضيق مجْلِس سُلْطَان، نفيتموه عني طَويلا ثمَّ أهديتموه إِلَى قَتِيلا فأهلا وسهلا بِمن كنت لَهُ غير قالية وَأَنا الْيَوْم لَهُ غير ناسية ارْجع أيها الرَّسُول إِلَى مُعَاوِيَة وَقل لَهُ وَلَا تطوه أيتم الله ولدك وأوحش مِنْك أهلك وَلَا غفر لَك ذَنْبك“.

لما بلغ معاوية هذا الردّ الصاعق من زوجة ذلك الشهيد، أمر بإحضارها الى قصره في الشام، وقال لها: “أَنْت يَا عدوة الله صاحبة الكلام الَّذِي بَلغنِي؟ قَالَت: نعم؛ غير نازعة عَنهُ وَلَا معتذرة مِنْهُ وَلَا مُنكرَة لَهُ، فلعمري إِنِّي قد اجتهدت فِي الدُّعَاء غَايَة الاجتهاد، وإن الله من وَرَاء الْعباد، فَمَا بلغت شَيْئا من رأيك، وَالله بالنقمة من ورائك، فأعرض عَنْهَا مُعَاوِيَة”. أي لاذ بالصمت ولم يحر جواباً، وحتى يتخلّص من حدّة كلامها أومأ اليها بالخروج، فوجدت في هذا خسارة وقصورا منها في مهمتها، فخرجت وهي تتوعده بأن تحرّض عليه من تجده في طريقها داخل الشام، وممن لقيته؛ شخصاً يُدعى الأصلع الهلالي، وكان رجلاً أسود البشرة وأصلع الرأس، فسمعها تنال من معاوية بأغلظ الكلام، فأراد الدفاع عن سيده ، فجاءه الردّ بأن “خزية لَك وجدعا تلعنني واللعنة بَين جنبيك وَمِن قرنيك إِلَى قَدَمَيْك! اخْسَأْ يَا هامة الصلع، ووجه الْجلع، واذلل بك نَصِيرًا واقلل بك ظهيرا فبهت الاصلع ينظر إِلَيْهَا ثمَّ سَألَ عَنْهَا فأخبر بخبرها فأقبل إِلَيْهَا معتذرا خوفًا من لسانها –يقول مؤلف الكتاب المذكور-.

وقد بلغ معاوية خبر هذه المحاورة في أحد طرق الشام فوجه اللوم الشديد والتقريع لذلك الرجل وقال له: “هلا زعمت يَا أصلع أنك لَا تواقف من يَغْلِبك أما علمت أن حرارة الشوك لَيست بمجانسة لنوافذ الكلام عِنْد مَوَاقِف الْخُصُومَة ألَّا تركت كلامها قبل النصفة مِنْهَا ومنك الاعتذار إِلَيْهَا –أي حتى تتجنب الاعتذار والهزيمة- فقَالَ أي وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لم أكن أرى امْرَأَة تبلغ من معاضيل الكلام مَا بلغت هَذِه المرأة وَقد جالستها فَإذا هِيَ تحمل قلباً شَدِيداً ولسانا حديداً وجواباً عتيداً فهالتني رعْبًا وأوسعتني سبّاً”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى