اراء

الطاقة النووية.. ورقة جديدة في استراتيجية كوريا الجنوبية لتعزيز حضورها في العالم العربي

تمارا برو..

دفعت الحروب والتوترات في مناطق إنتاج الطاقة، واضطراب طرق الإمداد، وتصاعد الطلب على الكهرباء بفعل التصنيع والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، دفعت الدول إلى إعادة النظر في مفهوم أمن الطاقة والبحث عن مصادر أكثر استقراراً وأقل تعرضاً للصدمات الجيوسياسية.

وفي هذا السياق، عاد الاهتمام بالطاقة النووية إلى الواجهة، وبرزت كوريا الجنوبية بوصفها إحدى الدول التي تمتلك خبرة طويلة في بناء المفاعلات النووية وتشغيلها، ما يجعلها شريكاً مثالياً للدول العربية الساعية إلى إعادة صياغة سياستها الاقتصادية والأمنية.

ويبرز التقارب الكوري – العربي في المجال النووي باعتباره أحد المسارات الجديدة لإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين الجانبين، ولا سيما أن سيؤول تمتلك خبرة متراكمة في بناء وتشغيل المفاعلات.

وتكتسب الشراكة العربية – الكورية أهمية كبيرة لأن الطرفين يلتقيان عند حاجة استراتيجية متبادلة؛ فالدول العربية تمتلك الموارد والأسواق ورأس المال وموقعاً محورياً في منظومة الطاقة العالمية، بينما تمتلك كوريا الجنوبية قاعدة صناعية متقدمة وخبرة متراكمة في بناء وتشغيل المنشآت النووية.

وخلال السنوات الأخيرة، أعادت سيؤول تقييم موقع الطاقة النووية في استراتيجيتها. فالرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي ميونغ، وصل إلى السلطة وهو أكثر تحفظاً تُجاه التوسع النووي المحلي، لكنه لم يتجه إلى التخلي عن الطاقة النووية، بل اتجه موقفه تدريجياً نحو قدر أكبر من البراغماتية.

تمتلك كوريا الجنوبية 26 مفاعلاً نووياً، وتسهم الطاقة النووية بتوليد أكثر من ربع احتياجات البلاد من الكهرباء. وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، أعلنت عن خطط لبناء مفاعلين نوويين كبيرين جديدين بحلول 2038، في خطوة تعكس توجهها نحو تعزيز دور الطاقة النووية. ومؤخراً، أعلنت عن استراتيجية تكنولوجية طموحة تركز على سبعة مشاريع تتراوح بين الطاقة النووية والحوسبة الكمومية والفضاء والتكنولوجيا الحيوية، في مسعى منها لتأمين محركات نمو جديدة تتجاوز أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.

وتستهدف خطة سيؤول النشر التجاري للمفاعلات المعيارية الصغيرة بحلول 2035. ويكتسب هذا التحول أهمية بالنسبة إلى الدول العربية، لأنه يعني أن كوريا الجنوبية لا تنظر إلى الطاقة النووية باعتبارها قطاعاً يتراجع، إنما باعتبارها صناعة يمكن أن تخدم أمن الطاقة الداخلي وأن تتحول في الوقت نفسه إلى قطاع تصديري.

أما الدول العربية، فما زال قسم منها يعاني أزمة الكهرباء بسبب نقص الإنتاج، أو ضعف شبكات النقل والتوزيع، أو نقص الوقود، أو الأزمات السياسية والاقتصادية، فضلاً عن تزايد الطلب على الكهرباء بوتيرة أسرع من قدرة الشبكات على مواكبته.

لذلك، قد يكون التعاون العربي – الكوري أكثر أهمية في مجال المفاعلات النووية الصغيرة والمتقدمة. فالمفاعلات التقليدية الضخمة تحتاج إلى استثمارات هائلة، وشبكات كهرباء كبيرة، بينما يمكن للمفاعلات الصغيرة أن توفر خيارات أكثر مرونة لبعض الدول والأسواق، مع إمكانية استخدامها مستقبلاً في تحلية المياه وبعض التطبيقات الصناعية.

وهنا تتقاطع المصالح الكورية والعربية؛ فكوريا تسعى إلى تطوير وتسويق تكنولوجيا المفاعلات الصغيرة، بينما تحتاج دول عربية إلى مصادر كهرباء مستقرة لمراكز البيانات والصناعات وتحلية المياه.

ويمكن للدول العربية، وفق قدراتها المالية وحجم شبكاتها الكهربائية، الاستفادة من الخبرة الكورية في بناء مفاعلات صغيرة أو متوسطة، خصوصاً الدول التي تبحث عن حلول طويلة الأمد لأمن الكهرباء والمياه. لكن ليس كل بلد يعاني أزمة كهربائية مناسباً لبناء مفاعل نووي، فالطاقة النووية تحتاج إلى بيئة تشريعية ورقابية مستقرة، وكوادر متخصصة، وشبكة كهرباء قادرة على استيعاب الإنتاج، فضلاً عن القدرة على تمويل المشروع وتأمينه لعقود. لذلك، يمكن أن يبدأ التعاون مع كوريا الجنوبية في بعض الدول العربية بالتدريب وبناء القدرات ودراسة الجدوى قبل الانتقال إلى بناء المفاعلات.

لا تتوقف أهمية الطاقة النووية بالنسبة إلى كوريا الجنوبية عند كونها قطاعاً تصديرياً مربحاً، بل تتجاوز ذلك إلى بعدها الاستراتيجي. فامتلاك سيؤول خبرة متقدمة في بناء وتشغيل المفاعلات يمنحها أداة جديدة لتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في الأسواق العربية، خصوصاً أن المشروعات النووية تمتد لعقود وتشمل البناء والتشغيل والصيانة وتدريب الكوادر وإمدادات الوقود والتكنولوجيا. وهذا يعني أن الفوز بمشروع نووي لا يخلق علاقة تجارية مؤقتة، بل يفتح الباب أمام شراكة طويلة الأمد يمكن أن تمتد إلى قطاعات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا.

لكن توسيع التعاون النووي العربي – الكوري الجنوبي لن يكون بعيداً عن تعقيدات التنافس الدولي، خصوصاً بين أمريكا والصين. فالسوق النووية العربية باتت جزءاً من منافسة أوسع على النفوذ التكنولوجي والاستراتيجي في الشرق الأوسط، ما يضع سيؤول أمام معادلة دقيقة: فهي حليف أمني واقتصادي رئيسي لواشنطن، وفي الوقت نفسه تسعى إلى توسيع صادراتها النووية في أسواق تتزايد فيها الخيارات الصينية والروسية. لذلك، فإن اختيار شريك نووي عربي لن يكون قراراً اقتصادياً أو تقنياً محضاً، بل قد يحمل دلالات جيوسياسية تتعلق بعلاقات الدول العربية مع القوى الكبرى.

ومن هنا، تحتاج كوريا الجنوبية إلى ترسيخ نفسها كشريك تكنولوجي موثوق ومرن، قادر على العمل في بيئة تتعدد فيها الشراكات الدولية، بعيداً عن الانخراط المباشر في الاستقطابات الدولية.  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى