اراء

الضفة الغربية.. عدوان المستوطنين وتغيير الواقع على الأرض

عدنان نصار..

لم تعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة مجرد حوادث متفرقة تقع هنا وهناك، ولا يمكن النظر إليها باعتبارها سلوكاً فردياً معزولاً عن المشهد السياسي والأمني العام. فما يجري في مدن وبلدات وقرى الضفة يحمل ملامح تصعيد متواصل يستهدف الإنسان الفلسطيني وأرضه وممتلكاته، ويدفع بالمنطقة نحو واقع أكثر خطورة وتعقيداً.

خلال الفترة الأخيرة، تصاعدت الاعتداءات في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، بالتزامن مع اقتحامات وعمليات عسكرية إسرائيلية، الأمر الذي أدى إلى إصابة فلسطينيين واعتقال آخرين، إضافة إلى الاعتداء على الممتلكات والأراضي الزراعية. ولم تعد الاعتداءات محصورة في منطقة واحدة، بل امتدت إلى مناطق في نابلس ورام الله والخليل وجنين وطولكرم وغيرها.

والأخطر في هذا المشهد أن الاعتداء على الفلسطيني لا ينتهي عند حدود الحجارة أو إحراق الممتلكات أو اقتحام الأراضي، بل يتصل بمسار أوسع يقوم على تضييق مساحة الحياة أمام الفلسطيني، ودفعه تدريجياً إلى مغادرة أرضه.

فعندما يصبح المزارع خائفاً من الوصول إلى أرضه، ويصبح المواطن مهدداً في منزله، وتتحول الطرق والحقول والقرى إلى ساحات مواجهة، فإن القضية تتجاوز مفهوم “العنف” إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي على الأرض.

بيت أمرين.. نموذج صارخ

ولعل الصورة الأكثر قسوة لما يجري في الضفة الغربية تظهر بوضوح في بلدة بيت أمرين شمال غرب نابلس، حيث لم يعد المستوطنون يكتفون بالاعتداء على الأراضي والمزارعين، بل انتقلت الاعتداءات إلى أبواب المنازل وممتلكات السكان، في محاولة لتحويل حياة الناس إلى حالة دائمة من الخوف.

ففي نيسان/أبريل الماضي، هاجم مستوطنون أطراف البلدة وأحرقوا مركبتين، وحاولوا إحراق أحد المنازل، قبل أن يتصدى لهم الأهالي، وأسفرت الحادثة عن إصابات بالاختناق والحروق.

ولم تتوقف الاعتداءات عند ذلك. ففي حزيران/يونيو تعرضت ممتلكات ومركبات في البلدة لاعتداءات جديدة، فيما تحدث سكان عن سرقة مواشٍ والاعتداء على ممتلكاتهم ومنع الرعاة من الوصول إلى المراعي التي اعتادوا استخدامها منذ سنوات.

ثم جاءت واقعة أكثر خطورة في تموز/يوليو، عندما استولى مستوطنون على منزل فلسطيني قيد الإنشاء في بيت أمرين، ورفعوا أعلاماً إسرائيلية فوقه ومنعوا أصحابه من الوصول إليه تحت تهديد السلاح.

هنا تتضح الصورة أكثر: القضية لم تعد مجرد اعتداء على شجرة زيتون أو مركبة أو حقل زراعي، وإنما محاولة لانتزاع المكان نفسه من أصحابه.

وفي بيت أمرين تحديداً، يتحدث الأهالي عن توسع بؤرة استيطانية أقيمت على أراضي البلدة في منطقة جبل بايزيد، بالتزامن مع أعمال تجريف وتسوية أراضٍ وشق طرق في محيطها.

وهكذا يصبح المشهد أكثر وضوحاً: بؤرة استيطانية تتوسع، وأراضٍ تُجرف، ومزارعون يُمنعون من الوصول إلى مراعيهم، ومركبات تُحرق، ومنازل تُهاجم، وصولاً إلى الاستيلاء على منزل فلسطيني.

من الاعتداء إلى فرض الأمر الواقع

المسألة في جوهرها ليست فقط ما يحدث في بيت أمرين أو غيرها من القرى والبلدات، وإنما ما يمكن أن ينتج عن تراكم هذه الأحداث.

فالاعتداء المتكرر على الفلسطينيين، إذا اقترن بالتوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وإغلاق الطرق والقيود المفروضة على الحركة، يتحول تدريجياً إلى وسيلة لفرض أمر واقع جديد.

إن أخطر ما في المشهد أن المواطن الفلسطيني قد يجد نفسه أمام معادلة قاسية: أرضه موجودة، لكنه لا يستطيع الوصول إليها؛ منزله قائم، لكنه غير آمن؛ وممتلكاته ملكه، لكنها عرضة للحرق أو المصادرة أو التخريب.

وهذا النوع من الضغط لا يحتاج بالضرورة إلى قرار رسمي بتهجير السكان. يكفي أن تصبح الحياة اليومية في المكان محفوفة بالخطر حتى يبدأ الناس بالتفكير في الرحيل، وهنا تكمُنُ خطورة ما يجري في الضفة الغربية.

صمت دولي يفاقم الخطر

إن أخطر ما في المشهد ليس فقط عدد الاعتداءات، وإنما اعتياد العالم عليها.

فعندما تتحول الجريمة إلى خبر يومي، والاقتحام إلى مشهد مألوف، وإحراق الممتلكات إلى رقم جديد في نشرات الأخبار، يصبح الصمت الدولي جزءاً من المشكلة، لأنه يسمح باستمرار الواقع نفسه وتكراره.

لقد حذرت منظمات حقوقية دولية من خطورة تصاعد عدوان المستوطنين، معتبرة أن استمرار هذا “العنف” يثير مخاوف بالغة الخطورة على حياة المدنيين الفلسطينيين ومستقبلهم.

والضفة الغربية ليست مجرد مساحة جغرافية هامشية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإنما هي قلب المشروع الوطني الفلسطيني، وأي تغيير قسري في واقعها السكاني والجغرافي ستكون له نتائج تتجاوز حدودها.

لذلك فإن استمرار اعتداءات المستوطنين، إلى جانب التوسع الاستيطاني والاقتحامات والقيود على الحركة، لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، وإنما يهدد أيضاً إمكانية الوصول إلى أي تسوية سياسية عادلة وقابلة للحياة.

إلى أين تتجه الضفة؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إلى أين تتجه الضفة الغربية إذا استمر هذا المسار؟

إن المطلوب ليس بيانات الإدانة وحدها، وإنما إجراءات عملية تحمي المدنيين وتوقف الاعتداءات وتحول دون فرض الوقائع بالقوة.

فالعدوان على الأرض يبدأ أحياناً باعتداء على مزارع أو إحراق مركبة، وقد يتطور إلى الاستيلاء على منزل أو مصادرة أرض، ثم يتحول في النهاية إلى واقع جغرافي وسياسي جديد.

وما يحدث في بيت أمرين يجب ألّا يُقرأ باعتباره قصة بلدة صغيرة في شمال نابلس، بل باعتباره نموذجاً لما يمكن أن يحدث عندما يتحول الاستيطان من مشروع للسيطرة على الأرض إلى وسيلة لإعادة تشكيل حياة السكان أنفسهم.

فالإنسان الفلسطيني لا يُطلب منه هنا أن يغادر أرضه بقرار معلن، وإنما يُدفع إلى ذلك عبر الخوف اليومي: أن يخشى على منزله ليلاً، وعلى أرضه نهاراً، وعلى أطفاله وممتلكاته في كل لحظة.

وهذه هي أخطر حلقات المشهد؛ أن تتحول الحياة الطبيعية إلى عبء، وأن يصبح البقاء في المكان بطولة يومية.

بيت أمرين تقول للعالم إن الاعتداء على الضفة الغربية لا يبدأ دائماً بقرار سياسي كبير؛ أحياناً يبدأ من منزل فلسطيني تُلقى عليه زجاجة حارقة، أو أرض تُجرف، أو راعٍ يُمنع من الوصول إلى مرعاه. لكن النتيجة واحدة: محاولة تغيير الواقع على الأرض، ودفع الفلسطيني إلى الشعور بأن أرضه لم تعد آمنة له.

فالضفة الغربية اليوم أمام اختبار حقيقي للمجتمع الدولي، والاختبار لا يتعلق فقط بما إذا كان العالم سيُدين الاعتداءات، وإنما بما إذا كان سيمنع تحولها إلى أمر واقع جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى