اراء

عُمان لا تهزّها الريح وترامب لا يملك إلا ضجيج التهديد

محمد بن علي بن ضعين البادي..

يبدو أن دونالد ترامب لا يزال يحصر أدواته السياسية في خيار واحد: لغة التهديد والوعيد، موهماً نفسه بأن العالم يُدار كشركةٍ خاصة تستسلم للضغط والترهيب. لكنه يتناسى هذه المرة أنه يوجه خطابه إلى دولةٍ عصيّة على الابتزاز، لا تُبنى سياستها على الاستعراض الفضفاض، ولا تقاس قوتها بصخب التصريحات، بل بحكمةٍ هادئة أثبتت حضورها الثقيل في أعتى أزمات المنطقة.

عندما تتحدث مسقط، فهي لا تتحدث من موقع ضعف، ولا ترجو شهادة حسن سيرة وسلوك من أحد؛ بل تنطلق من تأريخٍ ضارب في العمق يدرك كيف يصون الكرامة الوطنية. سياسةٌ راسخة برهنت على أن الأبواب المفتوحة للحوار لا تعني الاستباحة، وأن جنوحها للسلام ليس نكوصاً، وحكمتها ليست بطبيعة الحال تنازلاً.

واشنطن تحتاج عُمان.. أكثر مما تتخيل

في زحمة التصعيد المتصاعد حول مضيق هرمز الملفوف بلهيب الأزمة الحالية، هناك حقيقة يغفل عنها البيت الأبيض: أمريكا هي التي تحتاج عُمان.

عُمان ليست مجرد رقم عابر على خارطة الخليج؛ بل هي قلب الجغرافيا الممسك بزمام الملاحة والطاقة عند بوابة هرمز وبحر العرب. هي المساحة الاستراتيجية الفاصلة التي تلجأ إليها واشنطن كمنفذٍ أخير حينما تعجز الصواريخ وحاملات الطائرات عن إيجاد مخرج للأزمات المغلقة.

قد تمتلك الدول العظمى ترسانات عسكرية فتاكة، لكنها عاجزة عن شراء “الثقة” أو فرض الوساطة بالقوة. والثقة التي بنتها عمان عبر عقودٍ من الدبلوماسية المتوازنة لا تُباع ولا تُستورد؛ لذا يجدر بواشنطن أن تستوعب أن مسقط ليست بيقين ورقة في يد أحد، بل هي القناة الاستراتيجية التي يلجأ إليها الجميع حين تضيق الخيارات.

من أشعل الحريق لا يحق له إدانة رجال الإطفاء

لم تكن عُمان يوماً طرفاً في تسعير المواجهة العسكرية، ولم تكن صاحبة قرار الإغلاق أو الاستفزاز في مضيق هرمز. ومع ذلك، تجد المنطقة نفسها مجبرة على دفع فاتورة هذا التصعيد الإقليمي.

من المثير للدهشة أن يأتِ من أجّج النار ليضع الطرف المعتدل أمام لغة التهديد! أي منطق هذا؟ من أشعل الحريق عليه أن يتحمل مسؤولية إطفائه، لا أن يبحث عن شَمَّاعة يُسقط عليها نتائج اندفاعه. عُمان اختارت دور رجال الإطفاء، ولا تنتظر تقييماً لنواياها من أحد.

صمتُ الجبال ليس فراغاً

لمن يراهن على أن التهديدات قد تزعزع الموقف العُماني: جبال عُمان لا تعنيها مهاترات الريح. فالجبال لا تصارع العواصف، ولا تتبع الصخب، ولا تُغيّر مواقعها لأن الصوت ارتفع.

قد تصمت عُمان، لكن صمتها هيبة واقتدار. قد تهدأ، لكن هدوءها ليس استكانة. تفتح أبواب الحوار، لكن سيادتها خطٌّ أحمر لا يُمَس. عُمان تدرك متى تصمت، ومتى تتحدث، ومتى تكون كلمتها النهائية حاسمة دون الحاجة للشرح.

القوة الحقيقية لا تقاس فقط بعدد المقاتلات، بل بقوة الموقف، وثقل التأريخ، وحجم الثقة الدولية. وهناك قوة ناعمة لا تلتقطها رادارات الحروب: قوة الدولة التي يُسمع صوتها دون أن تضطر إلى الصراخ.

عُمان لا تبحث عن معارك، ورفضها للحرب وسط طبول الدق الإقليمية هو أسمى مراتب الحكمة. لكن السلام العُماني ليس استسلاماً، والحياد ليس تبعية.

الأجدر بترامب وواشنطن التعامل مع مسقط بأسلوب الشراكة والاحترام النِّدّي لا بلغة الوعيد. فكبرياء الدول العظمى تتجلى في احترام شركائها لا في استعراض القوة عليهم. عُمان لا تنتظر الأمان من تصريحات ترامب، فهي تعرف كيف تحمي قرارها الوطني وسيادتها المستقلة.

لتعلُ الأصوات كما تشاء، ولتتزايد التهديدات إلى مداها.. فالريح مهما بلغت شدتها، لن تقتلع الجبال. وعُمان عصية على العواصف، لأنها ببساطة.. لم تُبنَ من رمال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى