“أمريكية في الشمّاعية” عندما تكشف طبيبة نفسية عن جنون بلدها الغازي

المراقب العراقي / فاضل علي
ثمة روايات تُكتب لتُقرأ، وأخرى تُكتب لتُعاش، ورواية “أمريكية في الشمّاعية” للكاتب علي جاسم السوّاد، تنتمي إلى الصنف الثاني؛ فهي نص لا يمنحك فرصة لالتقاط أنفاسك، ولا يسمح لك بمغادرة سطوره قبل أن يفرغ من استنزافك عاطفياً وذهنياً.
يحمل العنوان وحده إعلان حرب على المألوف؛ فهو يصطدم بين طرفين لا تجمعهما إلا القسوة: أمريكا، الإمبراطورية التي غزت وحطّمت، والشمّاعية، مصحة المجانين في بغداد، الهامش الذي يُخبّأ فيه كل ما لا تحتمل الذاكرة الجماعية مواجهته. من هذا الاصطدام اللفظي تنبثق فلسفة الرواية كاملة: أن الجنون ليس عطباً فردياً في دماغ مريض، بل هو الاسم الحقيقي لما فعلته الحرب بوطن بأكمله. وحين تصرخ بطلة الرواية (ماري) في الصفحات الأخيرة قائلة: “سئمت من هذه الأرض والناس.. كل شيء هنا أصبح شماعية كبيرة بدأت أختنق منها.. كنت أتصوّر أن العراق بلد المجانين.. لكن للأسف أدركت الحقيقة متأخرة.. اكتشفت أن الجنون هنا في أمريكا.. نحن من يحتاج إلى دراسة وليست تلك البلاد”، فإن السوّاد يقلب المعادلة الاستشراقية رأساً على عقب: الضحية هنا هي العاقلة، والجلاد هو المختل.
تدور الأحداث حول (ماري)، الابنة الأمريكية لأب أمريكي وأم عراقية من الموصل، القادمة إلى العراق كطالبة دكتوراه في علم النفس بحثاً عن نموذج لدراستها، حاملة بين ضلوعها إرثاً مزدوجاً ومتناقضاً: حكايات أمها عن ألف ليلة وليلة وملحمة كلكامش من جهة، ومهمة علمية باردة لدراسة الأثر النفسي للحرب على الجنود الأمريكيين العائدين من جهة أخرى. وفي رحلتها يتقاطع طريقها مع (سعد)، الطبيب العراقي العائد لتوّه من بعثته الدراسية في أمريكا، الذي يصبح دليلها ومرشدها إلى عالم المصحة، ومع زوجته (أمينة) الرافضة في البداية لوجود ماري بسبب كرهها الشديد للأمريكان الذين تسبّبوا في استشهاد أخيها (ليث)، قبل أن يتحوّل هذا الرفض إلى وفاء واحتضان. وفي المصحة تتقاطع طريق ماري مع (حمزة)، الطبيب السابق الذي تحوّل إلى مريض نفسي وقاتل صامت مضرب عن الكلام، ليتحوّل تدريجياً من شخصية هامشية إلى محور الرواية الحقيقي وتجسيد صارخ لما يفعله القمع المتراكم حين لا يجد له متنفساً سوى الجريمة.
يقوم البناء الدرامي على ثلاث مصادفات كبرى تتفرّع منها عقدة النص وحلوله،وجميعها ترتبط بلقاء (ماري) و(سعد) على متن الطائرة المتجهة من واشنطن إلى دبي. وهنا يكمُنُ أخطر رهانات الرواية وأكثرها قابلية للنقد؛ فالمصادفة سلاح ذو حدين: حين تُوظَّف بذكاء تصبح قدراً سردياً يستحق التأمل، وحين تتكرر بهذا الكمّ تتحول إلى عكّاز يتّكئ عليه الكاتب كلما ضاق به مسار الحدث. لكن السواد قام بتوظيف الصدفة بشكل سريد جميل بددت مفهوم الصدفة الى المفهوم القدري، وكأن الحكاية ما هي إلا قدر تشكل بهيأة صدف هادفة تكون محور ترابط الاحداث.
لكن ما يُنسى معه هذا التحفظ هو اللغة فالسوَّاد لا يكتب بمداد صحفي معتاد على الوقائع الجافة، بل بلغة شعرية عالية، مكثفة، تنحت الجملة نحتاً بلا حشو ولا استطراد، كما يظهر في وصفه للعلاقة الملتبسة بين ماري وحمزة: “نظرت إليه ماري بنظرات مجروحة وقالت: كم عصيّة هذه الأرض متمردة، كأنها نمرٌ يصعب ترويضه، أشعر بأن هذه الفتاة قريبة، ها أنا أتحسس وجودها، لكن ثمة حجاب يحول دون العثور عليها”.
أسماء شخصيات الرواية ليست اعتباطية؛ فـ (سعد) قدرٌ حسن لبطلته، و(أمينة) أمينة فعلاً على أسرارها وأسرار وطنها، في نسيج دلالي محكم يكشف عن وعي فني ناضج. وحين يتقاطع خطّا العراق وأميركا عبر صفة الوفاء المشتركة بين شخصيات من ثقافتين متناحرتين، فإن الرواية تنجو من فخّ الشعارات لتقول شيئاً أعمق: أن الإنسانية تسبق الجنسية، وأن الوفاء لا وطن له.
والأجرأ من ذلك أن السوّاد يرفض إغراء الإثارة الرخيصة. رواية تدور أحداثها حول الحرب والقتل والجنون كان يمكن أن تنزلق بسهولة إلى المشاهد الحسية المبتذلة التي تحفل بها روايات كثيرة بحثاً عن قارئ سريع الإغراء، لكنه يختار طريقاً أصعب وأنبل: أن يُبقي الألم في مكانه الحقيقي، في النفس لا في الجسد. وهذا ما يمنح الرواية طابعها التوثيقي؛ فهي، كما يذهب الناقد عدي العبادي، ليست انطباعية محضة فحسب على طريقة إميل زولا ورواد المدرسة الواقعية، بل نص ينقل واقع المجتمع العراقي عبر حقب زمنية متعددة جسّدها الكاتب على هيأة “خَبَل” جامع.



