ثلاثة مؤشرات على اضطراب العلاقة بين ترامب ونتنياهو

أ. د. أحمد القطامين..
لم تعد العلاقة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو تبدو بالتماسك الذي ميزها في بدايات المرحلة الجديدة. صحيح أن التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي أعمق من علاقة رجلين، لكن المؤشرات الأخيرة توحي بأن العلاقة الشخصية والسياسية بين ترامب ونتنياهو دخلت مرحلة اختبار حقيقي، عنوانها الأساسي: تضارب الأولويات بين رئيس أمريكي يريد إغلاق ملفات الحروب كما يزعم، ورئيس حكومة إسرائيلية يرى أن استمرار الضغط العسكري هو الطريق إلى تحقيق أهدافه.
المؤشر الأول: أزمة الثقة الاستخبارية حول إيران.
التقارير التي تحدثت عن تحذير إسرائيلي لواشنطن من مخطط إيراني محتمل لاستهداف طائرة ترامب بعد مؤتمر الناتو في تركيا أثارت اهتماماً واسعاً، خصوصاً أن التحذير أدى إلى تشديد الإجراءات الأمنية حول الرئيس الأميركي. لكن الأهم أن تقارير أميركية تحدثت عن ضعف ثقة بعض أجهزة الاستخبارات الأميركية في المعلومات الإسرائيلية وعدم قدرتها على التحقق منها بصورة مستقلة.
وبغض النظر عن صحة الرواية الإيرانية من عدمها، فإن القضية تكشف مشكلة أكبر: تآكل الثقة بين الأجهزة الأميركية والإسرائيلية. ففي العلاقات الاستراتيجية، لا تكمُنُ الخطورة فقط في وجود تهديد حقيقي، بل في أن يبدأ أحد الحليفين بالتشكيك في تقديرات الآخر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأمن رئيس الولايات المتحدة.
المؤشر الثاني: غزة.
ترامب يريد إنهاء الحرب وتحويلها إلى صفقة سياسية يمكن أن يقدمها باعتبارها إنجازاً أميركياً كبيراً. لكن نتنياهو لا يبدو مستعداً للقبول بأي تسوية لا تحقق الشروط الأمنية الإسرائيلية، وعلى رأسها نزع سلاح حماس وضمان السيطرة الأمنية الإسرائيلية. وهنا يتحول الخلاف من اختلاف في التكتيك إلى اختلاف في الهدف.
ترامب يريد الخروج من غزة بإنجاز سياسي، بينما يخشى نتنياهو أن يؤدي الخروج إلى إعلان انتصار حماس أو إلى انهيار المكاسب التي حققتها إسرائيل عسكرياً. ولذلك فإن مقاومة نتنياهو لبعض التصورات الأميركية تعني عملياً أنه لم يعد مستعداً لمنح ترامب حرية الحركة التي اعتادها في إدارة الملف الإسرائيلي.
والأكثر دلالة أن واشنطن بدأت تبحث عن قنوات أخرى، بما فيها الاتصالات المباشرة مع أطراف فلسطينية وإقليمية، وهو ما يعني أن ترامب قد يحاول تجاوز نتنياهو إذا أصبح الأخير عقبة أمام مشروعه.
المؤشر الثالث: لبنان.
في لبنان تتكرر المشكلة بصورة مختلفة. فبينما تسعى إدارة ترامب إلى منع توسع الحرب وفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية جديدة، تواصل إسرائيل التعامل مع حزب الله من منظور أمني وعسكري أكثر تشدداً. وهنا تتصادم الحسابات.
ترامب يريد شرق أوسط أقل اشتعالاً يستطيع من خلاله تقديم نفسه باعتباره الرئيس الذي أنهى الحروب وصنع الصفقات. أما نتنياهو فيحتاج إلى إبقاء الضغط العسكري قائماً، لأن أي تهدئة واسعة قد تضعه أمام أسئلة سياسية وأمنية داخل إسرائيل.
لهذا، فإن الحديث عن انهيار التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي سابق لأوانه. لكن الحديث عن خراب العلاقة السياسية بين ترامب ونتنياهو لم يعد مجرد مبالغة.
المشكلة الحقيقية ليست أن الرجلين يختلفان؛ فالاختلاف طبيعي بين الحلفاء. المشكلة أن كلاً منهما بدأ يرى أن مصالح الآخر قد تتحول إلى عائق أمام أهدافه.
ترامب يريد إنهاء الحروب ليعلن الانتصار، ونتنياهو يريد استمرار الضغط العسكري لضمان انتصاره، وبين الرغبتين تتسع المسافة.
وربما يكون أخطر ما يحدث الآن ليس انهيار التحالف، بل انتقاله من تحالف قائم على الثقة الشخصية إلى علاقة تقوم على الشك والمساومة وتضارب المصالح. وفي السياسة الدولية، تبدأ الانفصالات الكبرى عادة من هنا: ليس عندما يتوقف الحلفاء عن التعاون، إنما عندما يتوقفون عن تصديق بعضهم بعضاً.



