اراء

التحالف الدفاعي الجديد.. إسرائيل محطة الاختبار الأساسية

بقلم: يحيى الصادق..

لن تتضح حقيقة أو جدوى اتفاقية الدفاع المشترك، التي وُقّعت مؤخراً بين السعودية وباكستان وتركيا، إلا عند تعرّضها لاختبار حاسم وفعلي. ووفقاً للأوضاع السائدة في عموم المنطقة، وما شهدته من تحولات وتطورات غير مسبوقة منذ نحو ثلاث سنوات، فإن التهديد العسكري الذي تواجهه الدول الثلاث، أو أيٌّ منها منفردة، له مصدران:

المصدر الأول هو الكيان الإسرائيلي، الذي وجّه، بشكل مباشر أو غير مباشر، تهديدات صريحة إلى حكومات الدول الثلاث. وهو ما عزّز مخاوف هذه الدول من أن تكون إحداها في لائحة “الجنون” الإسرائيلي بعد العدوان الأخير على إيران؛ ذلك الجنون الذي لم تقتصر ممارساته على تجاوز ما اعتُبر لسنوات طوال بمنزلة خطوط حمر في مسيرة الصراع العربي-الإسرائيلي، وإنما سعى جاهداً أيضاً إلى رسم خريطة جديدة للمنطقة تتوافق مع مشروع إسرائيل الكبرى.

هنا يذهب معظم التوقعات إلى أن اختبار الاتفاقية أمام “إسرائيل” سيكون الأكثر صعوبة بسبب عضوية تركيا في الناتو وعلاقاتها مع الغرب، وعلاقات السعودية وباكستان المختلفة مع الولايات المتحدة. ولهذا تُثار شكوك حيال مستقبل هذه الاتفاقية بالنظر إلى ما آل إليه حال باقي اتفاقيات الدفاع الموقعة منذ عقود، بدءاً من اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وصولاً إلى اتفاقية الدفاع المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي.

فمثلاً، هل هناك من يتوقع أن تكون لدى تركيا الجرأة للدخول في مواجهة مباشرة مع “إسرائيل” إذا ما استهدفت السعودية أو باكستان؟ أو أن تفعل السعودية أو باكستان ذلك إذا ما تعرضت تركيا لعدوان إسرائيلي؟.

وللعلم فقط، فإن حكومة نتنياهو تنفذ منذ ما يقرب من ثلاث سنوات حرب إبادة شاملة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ومع ذلك لم تبادر أية دولة، لا من الدول الثلاث ولا من الدول العربية أو الإسلامية، إلى ترجمة مواقفها السياسية إلى التزامات عملية توقف حرب الإبادة والمجاعة، أو على الأقل أن تقطع بعض الدول علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع “إسرائيل”.

المصدر الثاني هو أن تتعرض إحدى الدول الثلاث، أو تدخل في مواجهة عسكرية مع دول أخرى غير “إسرائيل”. وهنا أيضاً تتباين فرص تطبيق اتفاقية الدفاع بحسب الدولة التي قد تتعرض للهجوم، والتبعات المحتملة المترتبة على ذلك.

فمثلاً، ماذا لو نشبت حرب جديدة بين باكستان والهند؟ هل تشارك الرياض عندئذٍ في الدفاع عن إسلام آباد، وتضحّي بعلاقاتها السياسية والاقتصادية الواسعة مع نيودلهي، والتي يتجاوز فيها التبادل التجاري بين البلدين عتبة الـ40 مليار دولار؟ وينطبق ذلك أيضاً على أنقرة في موقفها من أي استهداف إيراني للمنشآت والقواعد والمصالح الأمريكية في الرياض. فهل يمكن لأنقرة عندئذٍ أن ترسل طائراتها لقصف طهران مثلاً؟.

إذاً، ستكون الاتفاقية أمام امتحان عسير في بعض المراحل، ولن يكون بمقدور الدول الثلاث اتخاذ قرارات سريعة حيال تطبيقها إلا بعد إجراء مزيد من المباحثات المتعلقة بسبل المساعدة التي يمكن أن يقدمها بعضها لبعض، والتعويضات التي يمكن أن تحصل عليها، وسبل تفادي الآثار السياسية والاقتصادية المتوقعة، والأهم من ذلك كله، الموقف الأمريكي المؤثر بطبيعته في سياسات الدول الثلاث ومواقفها.

المستفيد الأكبر

لنقرأ الاتفاقية من وجهة نظر أخرى تتعلق بالموقف الجيوسياسي للدول الثلاث، والتهديدات العسكرية المحتملة لكل منها. إذ، باستثناء التهديد الإسرائيلي الذي يشمل الجميع بلا استثناء، وما يعترض جهود مواجهته من تحديات وحسابات مرتبطة، كما ذكرنا سابقاً، بالموقف الأمريكي، فإنه يمكن استنتاج ما يلي:

تكاد تركيا تكون الدولة الوحيدة في الحلف الدفاعي الجديد التي تقترب احتمالات دخولها في مواجهة عسكرية مع دول أخرى من الصفر، لسببين:  الأول، عضويتها في حلف الناتو الذي يوفر لها مظلة حماية كافية؛ والثاني، أن حكومة أردوغان عملت على مدار السنوات السابقة على ترسيخ نفوذها العسكري والسياسي في معظم الدول القريبة منها، وحتى في بعض الدول البعيدة عنها.

وبالتالي، فإن مصلحة تركيا في الانضمام إلى هذا الحلف ليست عسكرية، وإنما سياسية واقتصادية في المقام الأول.

رغم امتلاك باكستان السلاح النووي، فإن فرص دخولها في مواجهة عسكرية تقليدية مع الهند أو أفغانستان تبدو مرتفعة، سواء بحكم النزاع التأريخي الطويل مع الهند، أم من جراء التحديات الأمنية التي أفرزها الانسحاب الأمريكي المفاجئ من أفغانستان وتسلّم حركة طالبان السلطة فيها.

ومع ذلك، فإن ما أظهرته باكستان في المواجهة الأخيرة مع الهند من صلابة وتفوق عسكريين يشير إلى أنها ليست بحاجة إلى مساعدات عسكرية تقليدية بقدر حاجتها إلى دعم نوعي من دول تمتلك تجهيزات عسكرية متطورة ومنافسة للتجهيزات الغربية الموجودة لدى جارتها الهند، كتلك التي وفرتها لها الصين. وهنا يمكن لتركيا تقديم بعض المساعدة، ولا سيما في مجال صناعة الطائرات المسيرة.

أما السعودية، فتبدو الدولة الوحيدة في الحلف الثلاثي التي ترتفع لديها احتمالات الدخول في مواجهة عسكرية قد لا تكون قادرة على حسمها ذاتياً، لأسباب عدة، أهمها أن مظلة الحماية الأمريكية التي كانت تستظل بها الرياض ثبت أن أولويتها ستكون لـ”إسرائيل” في أية مواجهة مباشرة أو غير مباشرة.

فالمملكة تواجه حالياً تهديداً مباشراً من حركة “أنصار الله” المطالبة برفع الحصار الذي تفرضه الرياض منذ سنوات عدة على صنعاء. وفي الوقت نفسه، لا تزال المملكة أيضاً داخل دائرة الاستهداف الإيراني للمصالح والمنشآت والقواعد الأمريكية.

وعليه، فإن المملكة العربية السعودية هي المستفيد الأكبر من الحلف الدفاعي الجديد، سواء لمواجهة التهديد اليمني بإغلاق مضيق باب المندب وسعيها إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق بالقوة، أم لإرسال رسالة إلى طهران بغية تحييدها عن أي استهداف مستقبلي، فيما لو توسعت الحرب أكثر وشملت منشآت الطاقة والبنى التحتية، كما يهدد الرئيس ترامب.

في ضوء ما سبق، تتضح ملامح المعادلة التي قام عليها الحلف الدفاعي الجديد، والتي يمكن تلخيصها بالعبارة التالية: “مساعدات ودعم عسكري للرياض في مواجهة أي تهديد خارجي، مقابل تقديمها مساعدات ودعماً اقتصادياً لكل من تركيا وباكستان، اللتين تواجهان ضغوطاً اقتصادية داخلية متزايدة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى