إيران والحصار.. العراق والقرار

بقلم: منهل عبد الأمير المرشدي..
الحصار الجوي الأمريكي على إيران ليس مجرد عقوبة أحادية أو إجراء تقني يتعلق بالطيران، إنه سلاح آخر من أسلحة العدوان الصهيو-أمريكي في الحرب على الجمهورية الإسلامية بعدما لاحتْ في الأفق معالم الانتصار الإيراني بما أذهل العالم أجمع من قوة إيران في الردع والصبر ووحدة الشعب وقدرتها على مواجهة تداعيات العدوان بما فيه أسبابها والدعاة اليها.
إن العقوبات الأمريكية الأحادية التي لا تعترف بها الأمم المتحدة تمثل ممارسة ضغط سياسي لفرض إرادة المعتدين وتُدار بمنطق عقابي على حياة الناس، حيث تُشدَّد القيود على التحليق والتجارة المرتبطة به فتتعطل السلع والمستلزمات في محاولة لخلق فجوات تُترجم إلى نقص وخسائر وإرهاق اجتماعي يطمحون من خلاله للضغط على النظام الإسلامي في إيران، ما يهمنا في الأمر هو ما تفاجأنا به في إذعان بغداد إلى الامتثال لهذا الحصار الظالم الذي يصب في مسار العزل والضغط، متناسين ما كان عليه الدم العراقي والإيراني في شريان واحد في لحظات الخطر الوجودي بمواجهة الدواعش، إن الموقف الرسمي العراقي الذي يندى له الجبين، يضع الشعب العراقي في غاية الأحراج من الشعب الإيراني الشقيق الذي كانت له مواقف نبيلة لا تنسى مع العراق أيام الحصار الأمريكي في تسعينيات القرن الماضي، إنها إيران التي تربطنا بها عقائد وثوابت ومشتركات دينية وملايين الوافدين طوال أيام السنة لزيارة أبي عبد الله الحسين “عليه السلام”، إنها إيران التي نشد الرحال لها للزيارة والتجارة والعلاج والدراسة، إنها إيران التي تشاركنا أطول الحدود الجغرافية والعلاقات التأريخية وإيران التي احتضنت مئات الآلاف من معارضي النظام المقبور، إيران التي نتبادل وأياها المقاعد الدراسية في الحوزات العلمية الدينية والتي تخرج منها كبار العلماء لدينا ولديهم، إنها إيران التي روّت بدماء أبطالها وأبنائها الأرض العراقية بدماء طاهرة.. إيران التي بالأمس القريب احتضنت ملايين المشيعين العراقيين في كربلاء والنجف الأشرف جثمان شهيدها الأقدس الولي الفقيه “رضوان الله عليه”. إيران كل هذا وهذا بعض من الكل، تضع علامة استفهام وتعجب الى حد الذهول في موقف حكومتنا من الإذعان التام لإرادة المعتوه ترامب في فرض الحظر الجوي. إن قرار العراق يضع علامة استفهام على جوهر الاستقلال الوطني ومفهوم السيادة.
نعم ليس مطلوباً أن يقف العراق ضد كل مصالحه أو يرفض التفاهمات الدولية لكن المطلوب أيضا أن لا يتحول إلى أداة تنفيذ لقرار أحادي ظالم لا يراعي الذاكرة التأريخية والمصالح الوطنية والثوابت الدينية، هل تُدار سيادة العراق بمنطق أن نرضي واشنطن أولا أم بمنطق نحمي مصالح شعبنا ونحترم ثوابتنا أولاً والاعتبارات التي صنعتها تضحيات مشتركة.
إن علاقتنا بإيران ليست فقط مسألة علاقات بين دولتين بل مسألة كرامة وقرار سيادي ومسألة صدق مع التضحيات التي صنعت الذاكرة، إن قرار العراق بالإذعان لإرادة العدوان يضع الأغلبية الشيعية في البرلمان أمام تساؤل وجودي وأخلاقي: أين أنتم؟ إنه يضع الإطار التنسيقي على المحك أمام جمهوره الشيعي الواسع، أين أنتم؟ إنه يضع الشرفاء من أبناء سنة العراق في الواجهة بموقف مطلوب، أين أنتم؟ كل من يدعي القيادة والزعامة والتصدي لقول الحق والحريصين على الريادة والسيادة: أين أنتم؟.



