ثقافية

غادة السمان والإنعتاق من الموروث الثقافي

2174

علياء تركي الربيعو

“في لقائنا الأول ببهو الاستقبال (الفندق في دمشق)، أخبرني أن أجداده من الأئمة في بغداد، وأنه يُعد إماماً. فاتسعت عيناي وسألته بدهشة: “أأنا بحضرة إمام يا مولاي”؟ وكأنما قرأ معالم روحانيتي بفراسته النادرة فرد مبتسماً “الولية في حضرة الإمام”، عقبت “بل المريدة في حضرة الإمام”، قال “اكتبي لي رسائل وسوف نجمعها في كتاب نطلق عليه اسم رسائل ماجدولين إلى البياتي…” هذا ما ترويه الأديبة ماجدة المالكي عن لقائها بالشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي في دمشق.
فن غائب
كثير منا تابع الجدل الدائر حول رسائل أنسي الحاج إلى غادة السمان، بين سائل عن مدى جدوى نشر هذه الرسائل اليوم، ومستنكر على أديبة نشرها هذه الرسائل لأسباب تتعلق بكونها امرأة. وفي الحقيقة معظم هذه التعليقات والاعتراضات يجعلنا نتذكر بأن فن الترسل غاب عنا في العصر الحديث الذي انشغل فيه الأكاديميون والنقاد بالقصة والرواية والشعر والمقالة، أو بالقضايا الفكرية والثقافية. ونخص، هنا، بالحديث الترسل النسوي، الذي عانى من تجاهل طويل، قديماً وحديثاً. فاذا عثرنا على رسائل كتبها الرجال للنساء، فإن رسائل النساء، باستثناءات قليلة، غائبة لأسباب مختلفة، تشرحها لنا الباحثة بثينة خالدي في كتابها “المضمر في الترسل النسوي العربي” (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2015).
ترى خالدي أن الرسائل النسوية تشكل نصاً غائباً في أغلب الثقافات وفي ثقافتنا العربية بشكل خاص، لأنها محملة بمتطلبات اجتماعية تدفع بها خارج المتن الكتابي، وإذا ما تداولها جمهور مشافهة، هنا أو هناك، فإن أساسها المكتوب هو المخفي الذي تسترجعه الكاتبات من الكتاب الرجال، أي من ذلك “النص الغائب”، الذي يقوم الرجال بإتلافه بناء على طلب المرأة.
على مدى صفحات الكتاب تتناول خالدي كاتبات عربيات كان لكتابتهن، وانخراطهن في الثقافة العربية طوال القرن العشرين، سمة الحضور والفاعلية، منهن: زينب فواز، نبوية موسى، هدى شعراوي، مي زيادة، ملك حنفي ناصف، جوليا طعمة دمشقية، غادة السمان، فدوى طوقان، نازك الملائكة، ونوال السعداوي.
مواد للترويج والتحليل
تتحدث خالدي عن سلسلة من الإقصاءات التي تحيل الترسل النسوي على هامش النص المكتوب، وتورد مثلاً على ذلك، العلاقة الرومانسية بين الكاتب المصري أنور المعداوي والشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان. فهما شأن مي زيادة وجبران خليل جبران، تراسلا وعقدا أواصر علاقة عاطفية متينة وجياشة. إلا أن فدوى رفضت نشر رسائلها لأنور، مدة طويلة، نتيجة ضغوط عائلية عليها منعتها من ذلك. ويختصر الناقد رجاء النقاش قراءته لهذه الرسائل في كتابه “بين المعداوي وفدوى طوقان: صفحات مجهولة في الأدب العربي”، بالقول عن فدوى “إنها اعتصمت بعالمها الداخلي ومشاعرها الخاصة، وأقامت بينها وبين الحياة الخارجية نوعاً من العزلة الشفافة التي كانت مع ذلك قوية وغير قابلة للكسر”.
بيد أنه، ليس غريباً أن تخشى المرأة الكاتبة ذيوع رسائلها الشخصية، أي تلك التي تمثل مرحلة من مراحل حياتها التي تشغف فيها بإنسان، أو بحالة أو ظاهرة معينة، فالمجتمع يرفض ظهور المرأة بهواجسها وهمومها وعواطفها وشجونها. فيغدو كل اعتراف مادة غرضها الترويج والتشخيص والتحليل النفسي. فغالباً ما يبتغي المجتمع ما هو فضائحي، لا ما هو جاد، أو أدبي في فن الترسل. والمرأة العربية الكاتبة تدرك ذلك، شأنها شأن مثيلاتها في المجتمعات الأخرى، في مراحل معينة من حياتها.
ولهذا تتجنب أن تقع هذه الرسائل في أيدي الآخرين. في حين تبقى رسائل الرجال من الكتاب متداولة وميسورة، على نحو أو آخر.
نستثني من هذا، بعض الكاتبات اللواتي تحلين بالشجاعة الكافية لإظهار رسائلهن، مثل مي زيادة وعلاقتها بجبران خليل جبران، وديزي الأمير في رسائلها إلى خليل حاوي، وكذلك الشاعرة أديل برشيني في نشر رسائل عبد السلام العجيلي اليها، وهي “أبوية” أكثر منها عاطفية، وغادة السمان في رسائلها لغسان كنفاني.
وهنا ترى خالدي، بأن تلك الكاتبات رغبن بالظهور على أنهن “قوامات” على الكاتب الغائب، وفي الوقت نفسه، حرصن على سمعته مطمئنات إلى لزوم حضوره كاتباً وحبيباً غائباً كجزء من رصيدهن المتنامي (الرأسمال الرمزي)، فهذا الرصيد الرمزي يتزايد ولا ينقص ويؤثر بشكل مباشر في مكانة المرأة، التي ظهرت أيضاً من خلال هذه الرسائل، بدور الأم الحنون المتفانية في صون سمعة الكاتب الغائب، فما كان يبدو فعلاً أنانياً محملاً بالرموز، ظهر غنياً بالتفاني وبحب الآخر.
أسطورة البطل
وربما هذا ما قصدته غادة السمان في تقديمها للرسائل التي أرسلها إليها غسان كنفاني، إذ سعت منذ البداية إلى التعريف بمشروع نشر الرسائل على أنه تعاقد بين اثنين ضد الموت وضد الموروث العتيق القائم على المكابرة والادعاء والفحولة التي في غير مكانها. وترى بثينة “أنها بذلك حررت غسان كنفاني من أسطورة البطل وعرضته كما هو في رسائل الحب، إنساناً بقوته وضعفه ونقائه وجماله وحنينه وهواجسه، حبيباً غير متكبر ولا مدع”. وبناء على هذا، تؤكد خالدي أن كل رسالة هي إعادة تكوين الخطاب حراً طليقاً، بعيداً عن المحاكة والتكرار الممل.
ومع انتظارنا رسائل السمان إلى أنسي الحاج، تجدر الإشادة بدور غادة السمان في فتح باب آخر في فن الرسائل، وفي الانعتاق من قيود العادات والتقاليد والموروث، وهذا هو دور المثقف العام الذي يرغب بتوعية المجتمع والنهوض به من خلال العمل والكتابة. ولربما يساعد هذا الأمر في العثور على رسائل أدبية جديدة من خلال زعزعة هذا الرقيب الداخلي أو “الحيطة” كما سماها طه حسين ووصفها قائلاً “لا أظنني أعرف أدباً مقيداً مسرفاً في التحرج غالياً في الاحتياط كأدبنا العربي الحديث، الذي ينشئه أصحابه وهم يفكرون في الناس أكثر مما يفكرون في أنفسهم، حتى أطمعوا الناس فيهم وأصبحوا عبيداً للجماعة وخدماً للفقراء”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى