الرجل صاحب الحقيبة


قيس مجيد المولى
لم يكمل قصَّ قطعة القماش حتى غيرت رأيها بإختيار قطعة أخرى، وعندما لمحت الضجر بعيني بائع الأقمشة شعرت أنها فعلا بحاجة لضبط إختياراتها، وتذكرت وهي في اللحظة التي يمسك البائع بها مقصه للمرة الثانية تذكرت أن أمورا كثيرة ضمن حياتها لم تخضعها لقوانين الـ”يجب” ومفاهيم اللا بد، وتذكرت الكثيرَ من المواقف وخصوصا مواقفها التي تتعلق بالسفر، وكيف تُغيّر اختياراتها قبل مواعيد الرحلات، وتذكرت أيضا كم من الرجال الذين تعرفت اليهم وكم غيرت رأيها بهذا وذاك إسوة بجار لها في أوتيل جراند في العاصمة وارشو، وكيف أرادت أن تسبر أغواره في جلسة على مائدة في صالة الفندق حين حدثها قليلا عن نفسه ببطاقة تعريفية موجزة بدأت بحياته الاجتماعية كرجل “سِنجل” مرورا بتكوينه العائلي، وأفراد أسرته، الى بوهيمته التي يمارسها كرسام جوال في ساحة مونمارتر. ووجدت فيه خصالا مفيدة ويمكن مشاركته حياته وأقتنعت تماما، لكنها فجأة بدلا من استقرارها في وارشو تحولت الى براتسلافا، وفي براتسلافا انتمت الى معهد غوته لتعليم الموسيقا، وفي المعهد إختارت آلة السكسفون، لكنها بعد أيامٍ ثلاثةٍ انتقلت الى تعلم العزف على البيانو. كانت مغرمة وهي تشاهد التلفاز بالنساء اللواتي يعزفن فيشع مع العزف في روحها جو من الإرستقراطية، وخصوصاً وهي ترى عبر قنوات التلفاز شخصيات مهذبة وببدلات رسمية يصغون الى العزف ويقفون للعازفةِ إجلالا عند الانتهاء من عزفها. لكنها أيضا وفجأة ذهبت الى محطة قطارات براتسلافا وجلست في الكافتريا الرئيسة في المحطة وطلبت كابتشينو، وما أن استدار النادل لتلبية طلبها وهو على بعد أمتار حتى نادت عليه وعدلت عن طلبها للكابتشينو الى القهوة التركية.
مرة أخرى لمحت في عيني بائع القماش ضجرا مضاعفا وهو يُسوّق بضاعته الى نسوة أخريات لم تكن لديهن متغيرات عند شراء حاجاتهن سوى متغيرات الأسعار ورغبتهن بالشراء بالسعر الذي يردن شراء بضاعتهن من خلاله. نادت على النادل ودفعت حسابها وأكرمت النادل بــ(10 كورونات)، وسارت خطوات بإتجاه باب الخروج، لكنها غيرت رأيها وفتحت حقيبتها وعادت مرة أخرى الى طاولتها حين كان النادل يرتب المائدة من جديد، أخرجت (10 كورونات) أخرى من حقيبتها ووضعتها بيد النادل وغادرت المحطة. لكنها توقفت عند باب المحطة، وفي لحظة توقفها توقف بائع القماش هُنيهة عن قص القماش لأُخريات من النسوة وراح يحدق بضياعها المجهول من دون أن ينظر اليها هذه المرة بنظرة ضجر أو ريبةٍ. فتحت حقيبتها وأخرجت من الحقيبة وهي في باب المحطة علبة سكائرها، سكائر kent. في الثمانينيات تعلمت بدايات التدخين حين أحبت الرجل صاحب الحقيبة، الرجل صاحب الحقيبة الذي تعود المرور يوميا بعد الانتهاء من مجلسه وأصدقائه الأدباء في مقهى (حسن عجمي)، تعود المرور عبر شارع النهر متوجها لجلسته الكتابية في المقهى البرازيلية.
كانت أحاسيسها تجاهه أحاسيس مجنونة تماما، أعجبتها طريقة حمله حقيبته، سكونه وهو يسير، طريقة رفعه لخصلات شعره حين يرفعها عندما تسقط على جبينه، جماله الخفي، لا أباليته تجاه النسوة، أعقاب سكائره التي يضعها في مكان آمن في الطريق، تجواله القصير في الأورزدي باك قبل وصوله الى البرازيلية، لذا أصبح وقتها الـ”يجب” واللا بد أصبحَ ضمن مفهومها أن تراه، تنتظر طريقه، تقف، تسير، تتوقف، كي تتعامل والوقت بحساباتها التي تجعلها أن تراه في نقطة معلومة من شارع النهر. وهكذا كل يوم تنتظر الرجل صاحب الحقيبة، الحقيبة التي حملت (كآبة بودلير وغراب بو ووقت للموت لماريا ريمارك وبطاقة سفر مسترجعة ومسودات لنصوص مهملة). أعادَ سؤاله عليها بائع القماش “من أيّ قماش أقص لك الأمتار الخمسة”؟ كان مستغرقا بكآبته حين دخلت المقهى وذهبت الى طاولته وسألته من أين حصلت على هذه الإصدارات؟، ومن دون أن يرفع رأسه أخبرها من مكتبة التحرير، وحاولت أن تسأله عن موقع هذه المكتبة أو أي سؤال آخر يطيل الحديث بينهما، ولكنها أدركت عبثها، فاختارت طاولة قصية في المقهى كي يتاح لها أن تتحسس حركته وفنجان القهوة، مداعبته لعلبة سكائر الــkent، استرخاءاته للحظات، ابتسامته كلما شعر بنشوة الكتابة، إغلاق حقيبته، وطريقته في إغلاق باب المقهى عند مغادرته، لم تعد تدري لم أتت الى السوق ولم توقفت عند بائع القماش ولماذا أرادت شراء قطعة قماش؟ ولماذا هي تعدل دائما عن أي فكرة تقررها لتذهب الى فكرة أخرى؟، ثم انتقلت الى لِماذا أطال هذا اليوم جلسته في المقهى؟، الى ربما ينتظر فتاة، ربما قالت ذلك وأخذت نفسا عميقا من سيجارتها واستبدلت جلستها الى جلسة أخرى، بحيث حين تحين منه التفاتة حتما سيراها، لكنه لم يلتفت، لم يلتفت، تمنت أن تحترق الأوراق التي أمامه، ولا ضير أن تحترق المقهى شريطة أن لا يصاب بأي سوء، وليحدث أي شيء يمكن من خلاله أن ينتبه اليها. أدركت وهي أمام بائع القماش أنها الآن ليست في زمن البائع، بل في زمن صاحب الحقيبة، وليست هي الآن في السوق العام بل هي في حقيبته أو في خصلات شعره أو في بقايا سكارته وإنها لن تغير رأيها من الآن في أتفه الأمور.
أما أنا شخصيا كاتب هذه القصة فقد تغير كل شيء فيّ، فقبل قليل طلبت صحنا من (الشلغم)، وحال وضعه أمامي طلبت استبداله بـ(صحنٍ من الشونذر)، تلا ذلك تذكرت أن عليَّ شراء قطة، لكني حين وصلت الى سوق الغزل اشتريت كلبا. وهكذا مع أمور حياتية أخرى، بل وجدت من المناسب استبدال سكائري الـkent، وكذا حقيبتي وما احتوت من بودلير وأتباعه الى التذكرة المسترجعة، وعدلت في اللحظة نفسها عن فكر استبدالها برميها من فوق جسر الجمهورية. وفعلا فعلت، حتى هذه القصة التي توقفت بها عند هذه الأسطر تركتها على حالها مشتتة للقراء، وكتبت نصا شعريا عن الحواس ومتاهاتها، لكني لا أنكر أن هناك شبحا لامرأة مازال عالقا في ذاكرتي، وأن هناك بائعاً للأقمشة وشارعا باسم شارع النهر ومقهى تسمى البرازيلية.



