الظهور الإسباني والدرس البليغ

بقلم/ زكي الطائي..
لم يكن تتويج المنتخب الإسباني بكأس العالم 2026 مجرد إنجاز جديد يضاف إلى سجله الحافل، بل كان إعلانًا صريحًا عن انتصار مدرسة كروية تؤمن بأن المستقبل يصنعه الشباب، وأن الجرأة في اتخاذ القرار هي الطريق الأقصر نحو النجاح.
ظهر المنتخب الإسباني بنسخة شابة مفعمة بالحيوية والسرعة والشخصية، فأثبت أن كرة القدم الحديثة لم تعد تعترف بالأسماء بقدر ما تعترف بالعطاء داخل المستطيل الأخضر. فالأداء، والجاهزية البدنية، والانضباط التكتيكي، والقدرة على تنفيذ الأفكار، هي المعايير الحقيقية، أما التأريخ والإنجازات السابقة فلا تمنح أصحابها حق البقاء إلى الأبد.
وقدّم المنتخب الإسباني درسًا مجانيًا لكل من لا يزال يعتقد أن الخبرة وحدها تصنع الانتصارات. فالخبرة عنصر مهم، لكنها تفقد قيمتها عندما يعجز اللاعب عن مجاراة إيقاع كرة القدم الحديثة القائمة على السرعة، والضغط، والانتقال السريع بين الدفاع والهجوم.
امتلك الإسبان الشجاعة الكاملة في منح الثقة للاعبين صغار السن، ولم يتردّدوا في إشراك مواهب لم تتجاوز السابعة عشرة من العمر، لأنهم يؤمنون بأن اللاعب الموهوب لا يقاس بعمره، بل بما يقدمه داخل الملعب. وهذه هي الفلسفة التي أبقت إسبانيا حاضرة في المنافسة جيلاً بعد جيل، دون أن ترتبط بأسماء بعينها.
وعندما نقارن هذه التجربة بواقع منتخبنا الوطني، تتضح الفجوة الكبيرة في طريقة التفكير. فما زلنا نعيش تحت تأثير مقولة “الخبرة أولاً” حتى أصبحت مبرّرًا لاستمرار أسماء استنفدت معظم ما لديها، بينما تبقى المواهب الشابة حبيسة مقاعد البدلاء أو خارج الحسابات تمامًا.
لقد كشفت مشاركة العراق في كأس العالم أن الاعتماد على مجموعة من اللاعبين الذين تجاوزوا ذروة عطائهم لم يمنح المنتخب الإضافة المنتظرة، بل انعكس سلبًا على سرعة الأداء، وتنوّع الحلول الفنية، والقدرة على مجاراة المنتخبات التي حضرت بأجيال شابة تمتلك اللياقة والجرأة والطموح.
والأخطر من ذلك أن عددًا من اللاعبين الشباب لا يحصلون على فرصة حقيقية لإثبات أنفسهم، ليس لضعف مستواهم، وإنما بسبب قناعة قديمة ترى أن صغر السن يعني قلة الخبرة، وكأن الخبرة لا تُكتسب إلا بالانتظار الطويل، بينما تؤكد تجارب العالم أن أفضل وسيلة لصناعة الخبرة هي منح اللاعب الفرصة في الوقت المناسب.
ولا يكمُنُ الفارق بين الإدارة الإسبانية ونظيرتها العراقية في الإمكانيات وحدها، بل في طريقة بناء المستقبل. فالإسبان يخططون لسنوات قادمة، ويمنحون الثقة لمن يمثل مشروعًا طويل الأمد، بينما ما زلنا نفكر بنتائج آنية تدفعنا إلى إعادة تدوير الأسماء نفسها في كل بطولة، حتى أصبح المنتخب يدور في دائرة مغلقة دون تجديد حقيقي.
إن كرة القدم لا ترحم من يتأخر عن مواكبة التطور، وما كان يصلح قبل عشرين عامًا لم يعد قادرًا على صناعة الفارق اليوم. فالمنتخبات الكبرى تخفض باستمرار متوسط أعمار لاعبيها، وتدفع بالمواهب مبكّرًا، لأنها تدرك أن المستقبل لا ينتظر المتردّدين.
إن الدرس الإسباني لا يتمثل في الفوز بكأس العالم فحسب، بل في الجرأة على كسر القوالب التقليدية، والإيمان بأن الشباب ليسوا مشروعًا للمستقبل فقط، بل هم حاضر قادر على صناعة الإنجاز إذا وجدوا الثقة والبيئة المناسبة.
أما نحن فبحاجة إلى مراجعة شاملة للفكر الكروي، تبدأ من الفئات العمرية، وتمر بالأندية، وتنتهي بالمنتخب الوطني، بعيدًا عن المجاملات والأسماء التي استهلكت فرصها. فإعادة بناء المنتخب لا تكون بتغيير المدرب وحده، وإنما بتغيير العقلية التي تدير الكرة العراقية.
لقد آن الأوان لمغادرة دائرة الأفكار التي أكل الدهر عليها وشرب، والإيمان بأن المستقبل لا تصنعه الأسماء الكبيرة، بل المواهب الشابة مهما كان عمرها. فالمنتخب الذي يريد منافسة العالم، عليه أولاً أن يثق بشبابه، لأن الأمم الكروية لا تُبنى بالحنين إلى الماضي، وإنما بالإعداد الجاد للمستقبل.



