التشكيلي ستار كاووش المازج أجواءَ “ألف ليلة وليلة” مع تعبيرية فان كوخ

المراقب العراقي / ماجد حميد..
ثمة فنانون لا يغادرون أوطانهم إلا ليأخذوها معهم؛ يطوون جغرافيتها في حقائب الذاكرة، ويعيدون نشرها فوق قماش اللوحات أينما حلّوا. والفنان التشكيلي العراقي ستار كاووش (مواليد مدينة الصدر/ الثورة، بغداد 1963) هو أحد أبرز هؤلاء الحالمين الذين حملوا بين أصابعهم ملوحة الجنوب العراقي، ونقاء السحنات السومرية، وعذوبة القصب والبردي، ليغرسوا تلك الجذور الدافئة في تربة هولندا الباردة.
لم تكن هجرته في تسعينيات القرن الماضي – إِبَّانَ الحصار الاقتصادي والسياسي الخانق الذي كبّل المبدعين في العراق – مجرد هروب من واقع مرير، بل كانت خطوةً واعية ونبوءةً جمالية لنشر الضوء، والانتصار لقيم الحب في مواجهة التراجيديا الإنسانية.
يتخذ كاووش من المدرسة التعبيرية منطلقاً لبناء عوالمه الموازية، لكنه يعيد صياغتها بروح تجمع بين “الحداثة الأوروبية” و”الواقعية السحرية الشرقية”. وتعتمد توليفته البصرية الفريدة على ركائز أساسية: احتفالية اللون وزخرفة الذاكرة: يرتكز كاووش على باليتة ألوان جاذبة تبث البهجة، وفي مقدمتها اللونان التركوازي واللازوردي.
جغرافيا الرّحم الأول: رغم عقود من الاستقرار في أوروبا والشهرة العالمية، يظل كاووش معلناً انتماءه لمدينة الصدر”الثورة”؛ فملامح شخوصه السمراء، وظلال دروبها المتربة، تظهر جليّة حتى في معارضه الاحترافية الأولى مثل “جسد المدينة” و*”سيقان وأرصفة”*. المدينة عنده ليست مجرد جغرافيا، بل هي الجرح والرحم الأول الذي لوّن بشرته ورسم طريق أحلامه.
المعادل الجمالي: في رده على حروب العالم ونزاعاته، يجعل كاووش من الفن “معادلاً جمالياً” خالصاً؛ حيث تظهر شخوصه في حالة تعانق وتلاحم روحي مستمر، تُمحى فيه المسافات البينية بين المحبين تعبيراً عن التوحد الروحي والسمو الإنساني.
في عام 2006، سجّل ستار كاووش قفزة تأريخية في مسيرته عندما استضافته مؤسسة “بيت فنسنت فان كوخ” التأريخي في هولندا لإقامة معرضه الشخصي “تحية إلى فنسنت”. لم يكن المعرض مجرد تكريم تقليدي لرسام عالمي، بل تحول إلى حوار بصري ندّي ومدهش بين تيارين وثقافتين: أصالة الهوية ضد برودة الجدران: دخل ابن بغداد الشعبية عقر دار أحد أعظم عباقرة الفن الحديث، وبدلاً من أن تذوب هويته، فرض دفأه العراقي وشخوصه السمراء بشمس دجلة على الجدران الهولندية الباردة، وصهر المناخات البصرية: التقت ضربات فرشاة كاووش الحالمة المستوحاة من أجواء “ألف ليلة وليلة” مع التعبيرية العنيفة والقلقة لفان كوخ. هذا التمازج دفع النقاد الهولنديين – ومنهم ميشيل فان مارسيني وشارلوتا هوخنز – إلى وصف تجربته بـ “الواقعية السحرية الغامضة” القادرة على إبهار العين الغربية وإعادة صياغة المفاهيم الجمالية السائدة.
أفرد كاووش للمرأة حيزاً أسطورياً في منجزه، وتوّج هذا الاحتفاء بمعرض وكتاب “نساء التركواز”. المرأة في لوحاته ليست مجرد موديل أو جسد عابر، بل هي كائن نوراني محاط بظلال تركوازية لازوردية تعكس أحلامها وعوالمها الداخلية. يمتزج سحر الشرق بملامحها الغربية، ليتحول هذا اللون الساحر بين يديه إلى رمز للحب النقي، والانتظار، والخلود العاطفي الأبدي.
حظيت مسيرة كاووش باحتفاء نقدي لافت تُرجم في خمسة كتب ملونة تناولت تجربته بالدراسة والتحليل؛ منها كتاب “الأطياف التعبيرية في تجربة ستار كاووش” لعدنان حسين أحمد، و*”مدينة كاووش”* لخالد المطلك، و*”كاووش، غموض الرسام”* الصادر عن اتحاد الفنانين الهولنديين.
كما أثمرت فرشاته عن أيقونات بصرية جابت المحافل الدولية، من أبرزها:
الحديث بصوت هادئ: اللوحة التي طبعتها منظمة العفو الدولية (Amnesty) كبطاقة بريدية وزعت حول العالم.
عاشقان تحت المطر: اللوحة الحائزة على الجائزة الذهبية في بينالي الكويت الدولي عام 2017.
رسالة إلى ساسكيا: الأعمال التي تتماهى مع أجواء الفن الهولندي وتستدعي شخصية زوجة الرسام العالمي رامبرانت.
إن تجربة الفنان ستار كاووش هي وثيقة إبداعية حية على قوة الفن في هدم الحدود وصهر الهويات دون إماتتها. لقد رحل إلى الغرب حاملاً طمي الأهوار، وتراب بغداد، وشمسها الساطعة، ليضيء بها ليل أوروبا البارد. إنه فنان يجبرك – شئت أم أبيت – على الدخول إلى عالمه المترع بالفرح والضوء، مستنهضاً في داخلك ذلك الحب الإنساني الذي ربما نام طويلاً بفعل قسوة الحياة.



