اراء

حوار هرمز

بقلم: نسيمة عبد الرحمن..

يحدث لنا جميعًا، في بعض الأحيان، أن نطرح أسئلة على شخص لا نستطيع مواجهته لعدد من الأسباب، فنقرر حينها أن نجيب عن تلك الأسئلة في قرارة أنفسنا.

لذلك، قررت أن أخاطب هرمز، لعدم إمكانية الوصول إليه، أو حتى بعث رسالة إليه؛ فربما تذوب كلماتها في مياهه قبل أن تصل إليه.

عزيزي هرمز، لم أسمع عنك قط من قبل، لكن منذ أكثر من ستة أشهر أصبحت أكثر شهرة على هذا الكوكب، بل «ترند العصر». ما سر هذا الانتشار؟ فهناك من ينتقدك بسبب الآلام التي تتسبب فيها، وهناك من يراك البطل الشجاع لما تواجهه من ضغوط وتهديدات.

فردّ عليّ قائلًا: “أنا موجود منذ البداية، وتأريخي قديم، كنتُ أفتح ذراعي للجميع، مرحبًا بعبورهم في أمان، مرحبًا بالجميع دون استثناء”.

“صُنتُ كرامة أولادي، وحافظتُ على سيادة جيراني، ولم أرضَ يومًا أن يُنتهك عِرضي. ورغم صمتي عن العديد من التجاوزات، ظلّت التهديدات تطاردني لعقود، إلا أن الطمع والجشع لا حدود لهما. فقرّر من يظن أنه قوة لا رادع لها أن يتجاوز الحدود، ويحاول انتهاك حرمتي، وتخويف أولادي وجيراني، لكنني كنت له بالمرصاد. لكن هناك من يتهمك بالغطرسة، وبمحاولة قتل الناس، إمّا بالجوع وإمّا بالبرد”.

فردّ هرمز: «أنا لم أكن يومًا المعتدي، بل من خلالي بُنيت ثروات، وشُيّدت اقتصادات العالم، رغم أن هذا العالم كان مجحفًا معي ومع أولادي. لقد حان الوقت لأن توضع الأمور في سياقها، وأن يُعطى لكل ذي حق حقه”.

اليوم، بات وضعي مختلفًا، كوني صمام الأمان لذوي القربى والجيران. حبّذا لو يستوعب هؤلاء الواقع، ويدركون من يتربص بهم لنهب ثرواتهم واستغلالهم حتى النخاع، ثم تسويق مختلف السرديات التي يختلقها العدو الصهيو-أمريكي لزرع الفتن وإثارة التفرقة.

أليس يقال: «فرّق تسد»؟.

لكن المراقبين لوضعك يتهمونك بالهيمنة، وبالتسبب في انهيار الاقتصاد العالمي، وإفقار نصف سكان الكرة الأرضية. ما مدى صحة هذه السرديات؟ وما ردّك على كل هذه الاتهامات؟.

فأجابني: «فليتوجهوا إلى المعتدي، وليطرحوا عليه السؤال: لماذا أشعل الحرب؟ ولماذا هاجم بقعتي، وحاول محو حضارتي التي تمتد جذورها إلى آلاف السنين، بينما هو وليد الأمس؟ لا حجارة تدل على عراقة، ولا تراث يعبر عن ثقافة، ولا تأريخ يروي حكاية أرض.

وأنا اليوم في موقف الدفاع؛ فالسنّ بالسنّ، والبادئ أظلم.

ومن يروي أنني أتسبب في تجويع نصف سكان العالم، فليجبني أولًا: من هو هذا العالم المتفرّج على مأساة أطفال غزة وسكانها، الذين يعانون الجوع منذ أكثر من عامين، فيما تُدفن أعداد من الضحايا كل ساعتين؟.

أم سكان جنوب لبنان الذين يُقتلون تحت أعين القوات الدولية، دون أن تحرّك ساكنًا، ويُهجّرون من أرضهم، ليعيد التأريخ إنتاج النكبات؟ أم الشعب السوري الذي يعاني الأمرّين؟ ودون أن أتطرق إلى الانتهاكات التي ترتكبها أيادي بني أمتي في السودان، هذا الشعب الطيب، تُغتصب بناته، ويُهجّر أعداد من سكانه من منطقة إلى أخرى بحثًا عن الأمان. هذا البلد الغني الفقير، الذي أُريد له أن يعيش المأساة، وسط ظلم ووحشية تُمارس عليه يوميًا.

لا أريد أن أصدمك بحقائق أخرى، وسأترك للتأريخ مهمة الكشف عنها؛ لتعرف أجيال قادمة كيف تسترد كرامتها، وترفض الانبطاح أمام من لا توجد في قاموسه كلمة اسمها الشرف أو السيادة.

يتهمونني بما آل إليه العالم اليوم، من تخويف من الجوع، وما سيعانيه من البرد عند حلول فصل الشتاء، لأن الوقود لن يصل إلى خزاناته. بينما المتسبب الحقيقي في الوضع الذي تعاني منه الشعوب، يسوّق للسردية الكاذبة، ويضع نفسه في صورة المعتدى عليه، بل ويقدّم نفسه على أنه المنقذ للعالم.

الصهيو-أمريكي هو المتسبب الأول في وجع العالم وما آل إليه. فالطمع بلا حدود يجعل هذا الثنائي لا يتراجع أمام الشر، مهما كانت الدماء التي تُسفك، ومهما طال الهدم الذي يمس ممتلكات الأبرياء، أولئك الذين حلموا بالعيش وفق أبسط شروط الحياة: الأمان.

هل تستسلم إذا تخلّى عنك حلفاؤك، وخذل كل من آمن بك وبصمودك؟.

أضحكتني! لن يحصل ذلك، لأن من يقف لحمايتي يدرك أن إيمانه بي أقوى مما تتصورين. ومن يعتقد أنني سأنهار، فكمن يراهن على أن يدخل الشيطان الجنة.

أطمئنك، سأظل صامدًا، وسأردّ الاعتبار إلى جيراني، وأحافظ على كياني، مهما بلغت التضحيات.

لأن ببساطة، يضع سرّه في أضعف خلقه.

وفي انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع، بين شدّ وجذب، ومن خلال المفاوضات والمشاورات، سأظل صامدًا، أراقب المشهد من بعيد.

فربما يكون هناك عقلٌ عاقل يستوعب أخيرًا أن المصير واحد، وأن ما يجمعنا أكبر مما يفرّقنا، وأن لا أحد يستطيع أن يعيش في أمان إذا كان جاره يعيش تحت الخوف والتهديد.

فليستوعب الجميع أن الجغرافيا لا تتغير، وأن الأقدار قد توحّد المصائر، مهما حاول البعض رسم الحدود بينهار تغيير معالمها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى