اراء

تقدير الموقف في الشرق الأوسط قبل الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية

بقلم: غسان ملحم..

ليس من السهل إنهاء هذه الحرب المركبة والمعقدة للغاية في منطقة الشرق الأوسط على الإطلاق. كذلك، ليس من السهل التفكير في استمرارها والتخطيط لإطالة أمدها الزمني، مما لا شك فيه أن إعلان حالة الحرب كان أسهل، بصرف النظر عن كل الحسابات والتقديرات والتوقعات، قبل نشوب الحرب، أو لدى اندلاعها؛ كما أن الانخراط فيها كان أسهل من محاولات الخروج من هذا المستنقع من الرمال المتحركة.

ومن الصعب اتخاذ القرار، عشية الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، مهما كانت ماهية هذا القرار. فهو سوف يؤثر، سلبًا أو إيجابًا، في كيفية احتساب نتائج الانتخابات وتحديد معالم وملامح مرحلة ما بعد هذه الانتخابات.

ثمة احتمال جدي للتصعيد العسكري. هو احتمال وارد من الناحية النظرية، ومن وجهة النظر المنطقية أيضًا؛ وهو قائم من الناحية الواقعية، ومن وجهة النظر الميدانية. فمتابعة عملية الرصد تفيد بأن ثمة إرهاصات، مؤشرات، قرائن، دلائل وشواهد حية على استمرار مثل هذا التصعيد العسكري حتى تأريخه، واستئنافه واستكماله في المستقبل القريب وغير البعيد. بيد أن هذا المسار محفوف بالكثير من المحاذير والمخاطر، ودونه الكثير من القيود والعراقيل والتعقيدات. فهو غير محسوم، أي غير مضمون النتائج، بالنسبة إلى الجميع، ولا سيما واشنطن وتل أبيب. وفيه شيء من المقامرة أو المغامرة مع دنوّ الانتخابات في أمريكا و”إسرائيل”.

وكذلك أيضًا، ثمة احتمال جدي للتصعيد الاقتصادي. هو احتمال مداه متقدم، منسوبه مرتفع، وكفّته مرجّحة في ميزان التقديرات والتوقعات. فبعد فشل الرهان على خيار الحرب العسكرية، مع تعثره وتعذّر المضي به قدمًا والذهاب به بعيدًا، عاد الرهان، مؤخرًا وراهنًا، على خيار الحرب الاقتصادية من جديد، مع التشدد فيها والتشديد في استخدام واستعمال أساليبها وأدواتها. لكن هذا المسار لا يخلو من المخاطر، بالنظر إلى احتمالية أن يقود الاحتقان إلى الانفجار، بغضّ النظر عن وجهة الانفجار، إن ضد أميركا و”إسرائيل” في الخارج، أو ضد إيران في الداخل، بحيث لا تقلّ الحرب الاقتصادية خطورة عن الحرب العسكرية.

هكذا تبدو صعوبة التوصل إلى حل سياسي، بطريقة أو بأخرى، مسألة لا يمكن استبعادها أو إسقاطها من التحليل السياسي، أقله على المدى الزمني، المنظور أو القريب، وربما على المدى المتوسط. فليس من السهل الوصول إلى تفاهم سياسي أو تسوية سياسية؛ وليس من السهل أيضًا الإعلان عن ذلك الآن، فيما لو أخذنا بعين الاعتبار الأثر أو التأثير الانتخابي لمثل هذه الخطوة على الرأي العام وجمهور الناخبين في الداخلين الأمريكي والإسرائيلي. ويبقى التساؤل، في هذا التوقيت وفي هذا السياق، عن إمكانية العودة الضمنية إلى مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران قريبًا، وليس بعيدًا، أو الإعلان الصريح عنها، قبيل الانتخابات النصفية الأمريكية، من حيث المخاطرة والمجازفة بالنتائج والمترتبات.

كما تُضاف إلى صعوبة الخروج من هذا الستاتيكو في إقليم الشرق الأوسط، بالنظر إلى صعوبة التوصل إلى حل سياسي، صعوبة تقبّل مخرجات الحرب، ما يزيد الطين بلة.

بالعودة إلى احتمالية المراوحة السياسية، باعتبارها المسار الذي يطبع هذه المرحلة كالأمر الواقع، فإن كلفة المواجهة العسكرية مرتفعة، وقد يكون من غير الممكن تحمّلها، ولا احتمالها؛ كذلك، فإن عبء التسوية السياسية، ولا سيما على هذا النحو بالذات وبالتحديد، ثقيل، إلى الحد الذي قد يكون معه أو عنده أيضًا من غير الممكن تقبّله، ولا قبوله. هي حالة متأرجحة ومترنّحة بين حالة الحرب وحالة السلم، جعلت عامة الناس يشعرون، هنا وهناك، بالعجز، بل بالجزع فالهدنة هي هجينة وهشّة؛ والسلام هو أشبه بالمهمة المستحيلة؛ أما الحرب، فتبقى مقيّدة بحسابات معقدة، ومن دون أن تضع أوزارها، حين تنتهي مرحلة وتبدأ مرحلة.

وعليه، فإن الخروج من هذا المأزق لا يقل صعوبة. فالجميع يواجه الكثير من التحديات والتهديدات والأخطار وفقًا لسياساته وحساباته ومصالحه، سواء كانت إيران من جهة، ومعها المقاومة في لبنان بطبيعة الحال، أم كانت كلاً من أمريكا و”إسرائيل” من جهة أخرى.

وهنا، ربما يمكن القول إن طريق الخروج من هذا النفق الطويل والمظلم، أي انتهاء أو حتى إنهاء، هذا المخاض العسير، هي ليست معروفة، بل هي ليست موجودة، على ما يبدو. ولا أحد يستطيع إنهاء الحرب وحسم المعركة بالقوة العسكرية لحسابه ولمصلحته؛ ولا أحد يمكنه أن يستمر طويلًا وكثيرًا، ويذهب بعيدًا، أو إلى ما لا نهاية، بمثل هذه الأنماط السلوكية من دوامة العنف والفوضى على امتداد الإقليم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى