التنظيم الذاتي وإدارة الملايين في زيارة الأربعين

علي الموسوي..
تُشكِّل زيارة الأربعين إحدى أكبر التَّجمعات البشريَّة السَّنويَّة في العالم، وقد غدت محلَّ اهتمام متزايد في الدِّراسات الإداريَّة والاجتماعيَّة والإنسانيَّة؛ لما تتضمَّنه من أنماط تنظيميَّة فريدة يصعب تفسيرها وفق النَّماذج الإداريَّة التَّقليديَّة. ففي هذه المناسبة يتوافد عشرات الملايين من الزَّائرين من مختلف الدُّول والثَّقافات، قاصدين مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، قاطعين مئات الكيلومترات سيرًا على الأقدام، في الوقت الذي تنتشر فيه آلاف المواكب والهيآت والمؤسَّسات الخدميَّة على امتداد طرق الزِّيارة، لتوفير الغذاء والإيواء والعلاج والنَّقل وسائر الاحتياجات، في مشهد يتَّسم بدرجة عالية من الانسجام والتَّنظيم، من دون الاعتماد على جهاز إداري مركزي يتولَّى إدارة جميع تفاصيله.
وتثير هذه الظَّاهرة جملةً من التَّساؤلات العلميَّة المتعلِّقة بطبيعة الإدارة، وآليات التَّنسيق الذَّاتي، والعوامل التي تكفل استمرار هذا النِّظام بكفاءته واستقراره عامًا بعد عام، على الرَّغم من اتِّساع نطاقه وتنوع المشاركين فيه، كما تدعو إلى دراسة الأسُس الفكريَّة والأخلاقيَّة التي تمنح هذا النُّموذج قدرته على الاستمرار والتَّجدُّد، وتجعله مثالًا جديرًا بالبحث في مجالات الإدارة والقيادة والتَّنمية المجتمعيَّة.
وتؤكِّد روايات أهل البيت (عليهم السلام) هذا البعد الأخلاقي والاجتماعي؛ فقد روي عن الإمام عليِّ الهادي (عليه السلام) أنَّه قال: “اتَّقوا اللَّهَ وَكونُوا زَيْناً، وَلا تَكُونوا شَيْناً، جَرُّوا الَيْنا كُلَّ مَوَدَّةٍ، وَادْفَعُوا عَنَّا كُلَّ قَبيحٍ” وهي دعوة إلى تجسيد المبادئ الإسلاميَّة في السُّلوك العام، بما ينعكس على صورة المجتمع وأدائه. كما روي عن الإمام عليٍّ بن أبي طالب (عليهما السلام) قوله: “وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحَمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالَمحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللَّطْفَ بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّيْنِ، أَوْ نَظِيْرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ” وهو مبدأ يرسِّخ ثقافة احترام الإنسان وخدمته دون تمييز، ويظهر أثره بوضوح في الخدمات التي تقدَّم لزائري الأربعين على اختلاف جنسياتهم وانتماءاتهم.
ومن هذا المنطلق، تغدو زيارة الأربعين ميدانًا تطبيقيًّا لدراسة الإدارة المجتمعيَّة القائمة على المبادئ والقيم، ونموذجًا حضاريًّا يكشف عن قدرة المنظومة الإسلاميَّة على بناء شبكات واسعة من العمل التَّطوعي والتَّنظيم الاجتماعي، اعتمادًا على الدَّافع الإيماني والثِّقة المتبادلة والالتزام الأخلاقي، وهو ما يجعلها تجربة إنسانيَّة جديرة بالدِّراسة والتَّحليل في ضوء الفكر الإداري المعاصر.
تنطلق النُّظم الإداريَّة الحديثة في بنائها المؤسسي من مجموعة قوانين ولوائح تَّنظيميَّة وعقود وإجراءات تَّنفيذيَّة تضبط سير العمل، وتحدِّد العلاقات بين الأفراد، وتضمن تحقيق الأهداف المرسومة. وعلى الرَّغم من فاعليَّة هذه الوسائل في إدارة المؤسَّسات.
فالدَّافع الذي يحث ملايين الزَّائرين على قطع المسافات الطَّوال، وبذل الأموال، وتقديم مختلف الخدمات، وتحمُّل ألوان التَّعب والمشقَّة، لا يرتبط بإلزام قانوني، ولا بإجراءات إداريَّة ملزمة، ولا بمكاسب ماديَّة أو اجتماعيَّة؛ وإنَّما يستمد جذوره من الإيمان بالله (تعالى)، والولاء للإمام الحسين (عليه السلام)، واستحضار البعد التَّعبدي في خدمة زواره، الأمر الذي يمنح العمل طابعًا اختياريًّا قائمًا على القناعة، والالتزام العقائدي.



