اراء

النصر ليس الأولوية.. استراتيجية إيرانية جديدة

بقلم: علي رضا سهرابي نور..

في أدبيات العلاقات الدولية، لم يعد الانتصار في الحروب يُقاس فقط بالسيطرة على الأراضي أو تدمير البنية العسكرية للخصم، بل بقدرة الدولة على تحقيق أهدافها السياسية بأقل كلفة ممكنة. فقد أثبتت تجارب الولايات المتحدة في فيتنام والعراق وأفغانستان، أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق نصر استراتيجي، إذا ما تحولت الحرب إلى استنزاف اقتصادي وسياسي واجتماعي طويل الأمد.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى التطورات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل باعتبارها اختباراً لقدرة الأطراف المختلفة على إدارة حرب استنزاف تتجاوز ساحات القتال إلى أسواق الطاقة، والرأي العام، والاقتصاد العالمي، والتوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

تشير المؤشرات المتراكمة إلى أن مسار الأزمة يتجه نحو نمط مختلف من الصراعات؛ فبدلاً من حسم سريع عبر القوة العسكرية، أصبحت كل ضربة جديدة ترفع كلفة الحرب على جميع الأطراف. وهذه هي السمة الأساسية لحروب الاستنزاف، حيث يصبح الزمن عاملاً حاسماً لا يقل أهمية عن القوة العسكرية.

وتبرز الجغرافيا السياسية للطاقة بوصفها العنصر الأكثر تأثيراً في هذه المعادلة. فإيران لا تمتلك فقط قدرات عسكرية، وإنما تسيطر جغرافياً على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط البحرية العالمية. وبالتالي، فإن أي اضطراب في أمن هذا المضيق ينعكس فوراً على أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، والأسواق المالية الدولية.

ولا يقتصر الأمر على مضيق هرمز، بل يمتد إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، اللذين أصبحا بدورهما جزءاً من معادلة الردع الجديدة. فهذه الممرات البحرية لم تعد مجرد طرق للتجارة، وإنما تحولت إلى أوراق ضغط استراتيجية يمكن أن تؤثر في الاقتصاد العالمي بأكمله.

وفي هذا السياق، تبدو الاستراتيجية الإيرانية قائمة على رفع تكلفة الحرب أكثر من البحث عن انتصار عسكري مباشر. فالهدف لا يتمثل في هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، وإنما في جعل استمرار العمليات العسكرية أكثر كلفة من اللجوء إلى الحلول السياسية.

في الوقت نفسه، تجاوز سعر البنزين في الولايات المتحدة أربعة دولارات للغالون الواحد، وهو مؤشر على أن آثار الحرب لم تعد محصورة في الشرق الأوسط، بل بدأت تمس الاقتصاد الأمريكي بصورة مباشرة، وهو عامل لا يمكن تجاهله في الحسابات السياسية داخل واشنطن.

أما على الصعيد العسكري، فرغم استمرار التفوق التكنولوجي الأمريكي، فإن تكلفة الحفاظ على هذا التفوق تزداد بصورة متسارعة. فوفقاً للمعطيات المتداولة، أُصيب ما يقارب 100 جندي أمريكي خلال الأسابيع الأخيرة، بينما قُتل أربعة جنود في هجمات استهدفت قواعد أمريكية في الأردن، كما تعرضت مروحيات عدة من طراز بلاك هوك لأضرار متفاوتة.

غير أن التحول الأهم لا يحدث في ساحات القتال، بل داخل الولايات المتحدة نفسها. فقد أثبت التأريخ الأمريكي أن التحدي الأكبر لا يتمثل في خسارة المعارك العسكرية، وإنما في فقدان الدعم الشعبي لاستمرار الحرب. وهذا ما حدث في فيتنام، ثم بدرجات مختلفة في العراق وأفغانستان، حيث أدى تراكم الخسائر البشرية والاقتصادية إلى تغيير المزاج العام، ومن ثم فرض مراجعة للسياسات الخارجية.

وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى بداية مسار مشابه. إذ يرى 77% من الناخبين المستقلين في الولايات المتحدة أن هذه الحرب “لم تكن تستحق الثمن الذي دُفع من أجلها”. وتكتسب هذه النسبة أهمية خاصة لأن الناخبين المستقلين يمثلون الكتلة الأكثر تأثيراً في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، الأمر الذي يجعل أي تحول في مواقفهم عاملاً ضاغطاً على صانع القرار في البيت الأبيض.

وفي الوقت نفسه، لم يقتصر التحول على الموقف من الحرب، بل امتد إلى صورة إسرائيل داخل المجتمع الأمريكي. فقد ارتفعت نسبة الأمريكيين الذين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل من 42% عام 2022 إلى 60% حالياً، بينما بلغت هذه النسبة 84% بين الديمقراطيين الشباب و57% بين الجمهوريين الشباب، وهو تحول يعكس تغيراً تدريجياً في المزاج السياسي الأمريكي تُجاه أحد أهم حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، تبدو إيران وكأنها أعادت صياغة مفهوم الردع بما يتناسب مع طبيعة ميزان القوى الحالي. فبدلاً من السعي إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، تعتمد طهران على توظيف موقعها الجغرافي وشبكة حلفائها الإقليميين وأهمية الممرات البحرية التي تشرف عليها، من أجل رفع الكلفة الاقتصادية والسياسية لأي عمل عسكري يستهدفها.

وفي الداخل الإيراني، تشير المعطيات إلى أن الضغوط العسكرية الخارجية أدت، على الأقل في المدى القصير، إلى تعزيز حالة من التماسك الوطني. وتبين التجارب التأريخية، أن المجتمعات التي تتعرض لتهديد خارجي تميل غالباً إلى تأجيل خلافاتها الداخلية، وتقديم أولوية الدفاع عن الدولة والسيادة الوطنية على الصراعات السياسية الداخلية. وهذا لا يعني اختفاء الانقسامات الاجتماعية أو السياسية، وإنما يعني أن ترتيب الأولويات يتغير في أوقات الأزمات.

كما أن التجارب التأريخية تؤكد وجود فجوة واضحة بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فقد حققت الولايات المتحدة تفوقاً عسكرياً في فيتنام والعراق وأفغانستان، لكنها لم تتمكن من ترجمة هذا التفوق إلى استقرار سياسي دائم أو إلى تحقيق كامل أهدافها الاستراتيجية. ويبدو أن هذا الدرس يفرض نفسه مجدداً في الأزمة الحالية، حيث تتزايد المؤشرات على أن استمرار الحرب قد يرفع كلفتها على جميع الأطراف دون أن يضمن تحقيق أهداف حاسمة لأي منها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى