الجنوب الذي لم يفهمه العدو الإسرائيلي

بقلم: العميد محمد الحسيني..
بينما يواصل جيش الاحتلال تدمير قرى الجنوب اللبناني ونسف المنازل وتجريف الأراضي واستهداف مصادر الرزق، يرتفع في الداخل اللبناني، بين الحين والآخر، خطاب يتحدث عن إمكانية السلام معه، وكأن المشكلة تكمن في قرار سياسي لبناني، لا في الوقائع التي يصنعها الاحتلال يومياً على الأرض.
وهنا يستحضر الجنوبيون مثلاً شعبياً لبنانياً بليغاً يقول: “ليش تركت للصلح مطرح؟”. فالصلح لا يُبنى على الخراب، ولا على اقتلاع الناس من بيوتهم، ولا على تحويل حياتهم إلى سلسلة من الخسائر المتراكمة. فمن خسر منزله، وأرضه، ورزقه، وأحياناً أبناءه، كيف يمكن إقناعه بأن يفتح صفحة جديدة، بينما لا تزال أسباب الألم تتجدد كل يوم؟.
القضية هنا ليست موقفاً سياسياً مجرداً، بل مسألة تتعلق بعلم الاجتماع السياسي وبذاكرة الجماعات. فالحروب لا تنتهي بتوقف إطلاق النار فقط، وإنما بكيفية تعامل الطرف الأقوى مع المجتمع الذي خاض الحرب ضده. والتأريخ مليء بأمثلة لقوى امتلكت تفوقاً عسكرياً لكنها خسرت سياسياً لأنها عجزت عن فهم المجتمعات التي أرادت إخضاعها.
حتى لو افترضنا -جدلاً- أن إسرائيل تمتلك نية حقيقية للسلام، فإن سلوكها الميداني يناقض هذا الافتراض. فلا يمكن لدولة تدمر القرى، وتمنع عودة الحياة الطبيعية، وتستهدف البنية الاقتصادية والاجتماعية، أن تتوقع من المتضررين أن يتحولوا إلى دعاة تطبيع أو سلام.
هذه ليست المرة الأولى التي تخطئ فيها إسرائيل في قراءة المجتمع الجنوبي.
فعندما اجتاحت لبنان عام 1982، لم تدخل إلى جنوب لبنان في بيئة موحدة معادية لها، بل إن جزءاً من الأهالي استقبل الجيش الإسرائيلي بالرز والزغاريد، ليس حباً بإسرائيل، وإنما نتيجة واقع عاشه الجنوب في تلك المرحلة تحت هيمنة المنظمات الفلسطينية المسلحة، التي كانت قد فرضت حضورها العسكري والسياسي على مناطق واسعة من الجنوب، وأدخلت السكان في صراع لم يكن كثيرون منهم شركاء في قراره.
كان ذلك الاستقبال، في جانب منه، تعبيراً عن رغبة بالخلاص من واقع أمني ضاغط، وليس تفويضاً لإسرائيل باحتلال الأرض أو التحكم بمصير السكان.
لكن إسرائيل لم تقرأ تلك اللحظة قراءة سياسية عميقة. فقد تعاملت مع الجنوب بعقلية عسكرية تقوم على فكرة السيطرة والردع، لا على فكرة بناء علاقة مع مجتمع له ذاكرته وخصوصيته وتركيبته الاجتماعية.
وهنا ظهر الخطأ الإسرائيلي المتكرر.. الاعتقاد بأن الأمن يمكن أن يُنتج بالقوة وحدها، وأن إخضاع السكان عسكرياً يعني قبولهم السياسي، لكن التجارب التأريخية تثبت أن الاحتلال قد يفرض الصمت، لكنه نادراً ما يصنع الشرعية.
ومن هنا جاءت المقاومة ضد الاحتلال، لا بفعل عوامل أيديولوجية أو إقليمية فقط، بل أيضاً نتيجة مباشرة لتجربة يومية عاشها السكان تحت السيطرة العسكرية. فالمقاومة في الجنوب لم تولد من فراغ، بل تشكلت داخل بيئة اجتماعية شعرت بأن الاحتلال لم يقدم لها الأمن، بل فرض عليها واقعاً جديداً من التحكم والإذلال.
واليوم يبدو أن إسرائيل تعيد الخطأ ذاته، وربما بصورة أكثر قسوة، وهنا يكمن سوء الفهم الإسرائيلي المستمر للبنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع الشيعي في لبنان. فمنذ قيام إسرائيل، وعلى مدى أكثر من سبعين عاماً من الصراع والتحولات الإقليمية، بقيت المقاربة الإسرائيلية تجاه هذا المجتمع أسيرة المنظور الأمني. فتارةً تعاملت معه باعتباره مجتمعاً يمكن استمالته بالمساعدات، وتارةً أخرى باعتباره مجتمعاً يمكن إخضاعه بالقوة، أو بيئة يمكن إعادة تشكيل مواقفها عبر أدوات الضغط، لكنها لم تدرك أن هذا المجتمع، كغيره من المجتمعات، لا يتحرك فقط وفق المصالح الآنية، بل وفق تراكمات التأريخ والذاكرة والشعور بالكرامة.
ولهذا فإن تدمير الجنوب لا يؤدي بالضرورة إلى إضعاف المقاومة، بل قد يخلق أجيالاً جديدة تحمل ذاكرة جديدة من الصراع.
ولهذا يبقى السؤال الذي يختصر تجربة أبناء الجنوب، ويُطرح برسم كل من يتحدث عن السلام اليوم: إذا كانت إسرائيل تريد السلام حقاً، فلماذا لم تترك للصلح مكاناً؟ فالسلام لا يُطلب من شعب تحت النار، ولا يُبنى على ذاكرة لم تُغلق جراحها بعد.



