“هروب”.. عندما يكتشف الملك أن رقعة الشطرنج يمكن تحولها الى وطن للحروب

المراقب العراقي/ حمدي العطار..
منذ العناوين الأولى لمجموعة “هروب” للقاصة عشتار سومر، يكتشف القارئ أن الهروب هو البنية التي تنتظم حولها مجموعة من القصص، ملك يهرب من رقعة الشطرنج، وجمال يهرب من المرآة، وطبل يهرب من الموكب، وسلم يهرب من المباني، وأزرق يهرب من السماء، وأين تهرب من أدوات الاستفهام، وامرأة تهرب من المطبخ، وشعب يهرب من الشخير، وبلد يهرب من خارطة العالم، ولوحة تهرب من الجدار، ورجل يهرب من الهامش، وآخر من الفلسفة، وماء يهرب من الأرض، وكهرمانة تهرب من بغداد، ومصباح يهرب من علاء الدين.
هذه العناوين وغيرها لا تبدو مجرد ألعاب لغوية بل تؤسس منذ البداية لعالم سردي مغاير تنقلب فيه العلاقات الطبيعية بين الأشياء ويتحول المستحيل إلى وسيلة للكشف عن الممكن والمسكوت عنه.
في الجزء الأول من المجموعة، يصبح الهروب حدثا مشتركا بين القصص، لكن المفارقة تكمن في أن القاصة لا تمنح الهاربين دائما فرصة الوصول إلى مكان آخر إذ غالبا ما تتوقف القصة عند لحظة الهروب نفسها.
وهنا يمكن طرح السؤال: هل الهروب هو الحل الذي تقترحه القاصة أم أنه مجرد إعلان عن عجز الإنسان عن تغيير الواقع؟.
ربما لا يكون المهم في هذه القصص هو معرفة أين ذهب الهارب وإنما معرفة لماذا اضطر إلى الهروب أصلا. فالهروب في المجموعة يتحول إلى فعل رمزي يكشف أزمة العلاقة بين الإنسان والمكان وبين الفرد والمؤسسة وبين الحقيقة والصورة وبين ما نعتقده وما نعيشه.
وبذلك تصبح مغادرة المكان نوعاً من الاحتجاج ويصبح الهروب في بعض القصص أكثر جرأة من المواجهة نفسها.
في قصة “الملك الذي هرب من رقعة الشطرنج” تستخدم القاصة لعبة الشطرنج بوصفها استعارة للحرب والسياسة. فالملك يحشد الآخرين للقتال والتضحية، ويقنعهم بأن المعركة تشبه رقعة الشطرنج فيما تتزايد الخسائر ويسقط القتلى والجرحى.
وحين يحاول مستشاره إقناعه بالتوقف بسبب الاستنزاف يصر الملك على استمرار الحرب بل يقول له بما معناه، إن الانسحاب ليس خيارا وإن عليه مواصلة الهجوم حتى النهاية.
المفارقة تتضح حين يتحول الشطرنج الذي كان الملك يستخدمه لتفسير الحرب إلى أداة لانكشافه هو. فعندما يهزمه الوزير في اللعبة يقلب الملك الرقعة وينهي المباراة ثم يطرد مستشاره، مؤكدا أنه لا يهرب من أرض الحقيقة.
لكن الحقيقة التي يرفض الملك الاعتراف بها تظهر في النهاية عبر التلفاز حين يظهر بخطاب يناقض موقفه، معلنا أن الحرب ليست سوى رقعة شطرنج وأن الانتصار قادم لا محالة.
هنا تنجح القاصة في بناء مفارقة ساخرة بين خطاب السلطة وواقع الحرب. فالملك لا يهرب جسديا، لكنه يهرب من الحقيقة ومن مسؤولية الخسائر ومن الاعتراف بالهزيمة. لذلك فإن عنوان القصة لا يتعلق فقط بالهروب من الرقعة وإنما بالهروب من المعنى الذي تمثله الرقعة.
الشطرنج هنا ليس لعبة فحسب إنه نموذج لعقل سياسي يتعامل مع البشر بوصفهم بيادق ويستمر في اللعب حتى عندما تتحول اللعبة إلى مقبرة.
تتسع دائرة الهروب في بقية القصص، فلا يعود الإنسان وحده قادرا على التمرد فالأشياء نفسها تدخل في هذا التمرد.
فالطبل الذي يهرب من الموكب، والسلم الذي يهرب من المباني، والأزرق الذي يهرب من السماء، والماء الذي يهرب من الأرض، واللوحة التي تهرب من الجدار، ليست مجرد شخصيات غرائبية، وإنما وسائل سردية لتحرير الأشياء من وظائفها التقليدية.
ربما تكون القيمة الأهم في هذه المجموعة أن “الهروب” لا يظهر بوصفه خلاصاً مكتملاً. فالقاصة -أحيانا- لا تقول لنا بوضوح ماذا يحدث بعد الهروب بل تترك الشخصيات والأشياء عند لحظة الانفصال عن مكانها.
ومن هنا، فإن الهروب في المجموعة يحمل مفارقة عميقة: هو فعل مقاومة، لكنه في الوقت نفسه فعل عجز، هو رفض للواقع لكنه ليس بالضرورة قدرة على صناعة واقع بديل.
وهذه المفارقة تمنح القصص مساحة أكبر من حجمها السردي القصير، لأنها تفتح أسئلة تتجاوز الحدث إلى ما وراءه.
تبدو عشتار سومر في هذه المجموعة منشغلة بتجريب شكل قصصي يقوم على التكثيف والعنوان المفارق والغرائبية والسخرية والنهاية التي تترك أثرها بعد انتهاء النص.
وإذا كان الهروب يتكرر في عدد كبير من القصص، فإن التكرار هنا لا يعني بالضرورة تكرار الفكرة، لأن “الهروب” يتغير من قصة إلى أخرى بحسب الشيء الهارب والمكان الذي يهرب منه. فالمرأة تهرب من منظومة اجتماعية، والملك من لعبة السلطة، والجمال من القوالب الجاهزة، والماء من الأرض، والبلد من الخريطة، والرجل من الهامش، وبذلك يتحول الهروب إلى معجم سردي خاص بالقاصة تستطيع من خلاله الاقتراب من السياسة والمجتمع والثقافة والفلسفة والجمال دون أن تقع في المباشرة.
في مجموعة عشتار سومر (هروب)، لا تهرب الأشياء لأنها تكره أماكنها فقط وإنما لأنها اكتشفت أن أماكنها لم تعد تشبهها، فالملك يكتشف أن رقعة الشطرنج يمكن أن تكون وطناً للحرب، والجمال يكتشف أن المرآة قد تتحول إلى سجن للصورة، والرجل يرفض أن يبقى في الهامش، والبلد نفسه يصبح قادراً على مغادرة خريطته، لهذا يمكن القول: إن الهروب هو الشخصية الخفية التي تجمع قصص المجموعة، إنه فعل سردي لكنه في العمق فعل احتجاج وسؤال ومفارقة وربما صرخة صامتة في وجه عالم يصر على إبقاء الأشياء في أماكنها.



