اخر الأخباراوراق المراقب

محورية القيم الإنسانية في النهضة الحسينية

حسين شاكر العطار..

حملت النهضة الحسينية معطيات فكرية وأخلاقية استهوت القلوب والضمائر الحرة، في أمكنة وأزمنة مختلفة، بعيدًا عن أي صبغة مذهبية أو دينية أو قومية. وهي ليست صرخة اعتراضية على حالة تأريخية محددة، مكتفية بأهدافها ومكانها وزمانها، وليست نهضة حسينية شيعية حصرية وكفى، وليست نهضة إسلامية جامعة عامة وكفى، إنها نهضة إنسانية شاملة مطلقة، تعني كلية الإنسان، جوهرًا وروحًا وقيمًا، كيانًا وكينونة في كل آن ومكان. إنها نهضة ترسم هداية الطريق البشري في منطلقاته وأبعاده، وتُعد مثالًا عالميًا للأزمنة والأجيال. هكذا الدعوات والرسالات، بالتضحية تنتصر وبالشهادة تنتشر.

استمد الحراك الحسيني بُعده الزمني بعنصري الاستمرار والتجدد؛ لما يحتوي من قيم عالية منذ لحظة وقوعه. فهو نهضة مستمرة في كل مكان تُنتهك فيه الحقوق وتُهدر القيم، وهو مبعث المعرفة في إطار حركة المجتمع، ومحرك الأفراد والجماعات من خلال الوعي بمفهوم الحرية والظلم والعدوان ومقاومة الظلم، والمدخل الصحيح لفهم كيفية مواجهة الاستبداد والإرهاب، ومسعى الفرد الواعي بذاته وبالآخر.

وهذا ما أعطاها صبغتها العالمية لحركات ثورية متعددة، كتجربة غاندي الذي يقول: “تعلمت من الحسين كيف أكون مظلومًا فأنتصر”. ويخاطب شعب الهند قائلًا: “على الهند إذا أرادت أن تنتصر، أن تقتدي بالإمام الحسين“.

وماو تسي تونغ، زعيم الثورة الصينية، خاطب الرئيس الفلسطيني بقوله: “عندكم تجربة ثورية قائدها الحسين، وهي تجربة إنسانية فذة، وتأتون إلينا لتأخذوا التجارب“.

والقائد الفيتنامي هو شي مِنَّة، وهو يخاطب جنوده المحررين: “وأنتم في خنادقكم انظروا إلى ذلك الرجل الشرقي، الحسين العظيم، الذي زلزل الأرض تحت أقدام الطغاة“.

ولهذه النهضة العظيمة قيم إنسانية كبيرة وكثيرة لا نستطيع ذكر جميعها، وإنما نبين بعضها:

القيمة الأولى: النزعة الإنسانية

إنها نهضة الإيمان من أجل الإنسان، حركة بعيدة عن القومية والعنصرية. فهذا الطابع الذي صبغ معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) إذ شارك في كربلاء مجموعة متنوعة في مذاهبها وأعراقها، من تنوع ديني ومذهبي وقومي، وتحطمت فوارق الطبقات الاجتماعية معه، الحر والعبد. حيث وقف جون مولى أبي ذر، وهو عبد أسود اللون، أمام الإمام الحسين (عليه السلام) يستأذنه في القتال، فلما استُشهد نظر إليه الإمام الحسين (عليه السلام)، وقال: “اللهم، بيّض وجهه، وطيب ريحه، واحشره مع الأبرار، وعرّف بينه وبين محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله“.

وكان هناك تكامل في الأدوار والمهمات: الطفل، والشيخ، والشاب، والمرأة، شركاء في النهضة الحسينية ومسيرة الحركة الإصلاحية. وتمثل السيدة زينب (عليها السلام) نموذجًا للمرأة المسلمة ودورها في الحراك السياسي الاجتماعي، خاصة أنه من خلالها استمرت حركة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى ما بعد العاشر من محرم، وتردد صدى كلماتها على مدى الزمن.

القيمة الثانية: نبذ العنف ومنع سفك الدماء

حث الإسلام على مبدأ اللاعنف، والقيم المنظمة للعلاقات الاجتماعية في مجال تحقيق الأمن النفسي، ودعا للتفاهم والتصالح والعلاقة القائمة بين الجنس البشري على أساس الاحترام المتبادل والمحبة والوئام والثقة؛ لذلك حرص الإمام الحسين (عليه السلام) على حقن الدماء، وظهر ذلك من خلال خروجه من المدينة ومكة كي لا تُستباح حرمتهما، وكان يقول لمن طلب منه الالتجاء إلى مكة: “إن أبي حدثني أن لها كبشًا به تُستحل حرمتها، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش“.

القيمة الثالثة: الحرية

الحرية ذات تأصيل فقهي وعقدي في الإسلام، تظهر جليًا في العلاقة التكاملية التي تربط مسألتي التوحيد والحرية. فالحرية وعدم إهدار الكرامة من القيم العليا اللتين تستحقان السعي إليهما، وإن كانت التضحية من أجلهما بالنفس. وتُعد الحرية الركيزة الأهم في فكر النهضة الحسينية؛ إذ ثار الإمام الحسين (عليه السلام) ليرد للإنسان حريته المسلوبة، ويرفض مبدأ الخنوع والعبودية لغير الله.

رفض الإمام الحسين (عليه السلام) حياة الذل قائلًا: “ألا وإنَّ الدَّعِي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة”. ولخص الإمام الحسين (عليه السلام) فلسفة الكرامة الإنسانية بكلمته الخالدة، وقال (عليه السلام): “لا والله، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفر فرار العبيد“.

الكرامة أولًا: كما طلب من أعدائه أن يعيشوا أحرارًا بقوله: “إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم“.

فتح الحراك الحسيني آفاقًا جديدة في فهم حقوق وواجبات الفرد داخل الدولة؛ إذ برز فيها عدم فرض قيود على الآخرين، مما يتيح تحوّل الأفراد والمجموعات لمزيد من التمدن، ويؤصل قيمة الحرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى