زمن غريب عجيب مع سبق الإصرار

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي..
أيها الزمن الغريب ما أغربك بل ما أعجبك ! زمن انقلبت به كل الموازين وصار الموت مشوار مودة يختطف الأحبة في كل حين .. زمن اختلط فيه الحابل بالنابل والعاقل أمسى غريبا متهما بنوبات الجنون والمبالغة فيما صار السفيه مُوقّرا خبيرا والتافه مؤثرا عزيزا والضجيج رأيا وحكمة والصمت جريمة وغفلة ، زمن تتفشى به الفوضى تحت شعار الحرية وتسود به البلطجة مؤطرة بأكذوبة الشجاعة والرجولة ويُباع به الوهم في علبٍ أنيقة لأمل زائف وغدٍ بحكم السراب . يقدّم الفراغ تلو الفراغ على أنه قمة الامتلاء ويغلف الانحدار بأسطورة ميتافيزيقية التطور ، حتى أصبح الباطل حقا مطلقا والحق غائبا غريبا يستوحش الطريق متعثرا معتذرا عن الحضور .. ربما هو شيء من تداعيات ثقافة العولمة حيث تُصدِّر إلينا أسوأ ما عندها من فواحش تغفو بين ثناياها . أخذنا من حضارة الغرب أسوأ ما فيها بين أركان الرذيلة من التعري والخلاعة والانحطاط والتفكك الأسري وانعدام المنظومة القيمية . لم نستورد شيئا من علم ينفع ولم نتعلم مفردة من الانضباط والنظام وأغلقنا النوافذ في وجه كل فضيلة. أصبح الجسد مشروعا للرذيلة والإعلان والعقل مشروعا للتناسي والإهمال ، والأخلاق عنوانا للتطرّف والتشدد بينما صار أرباب العفّة والحياء متهمين بالرجعية والتخلف . لقد أمسى الشرف والثبات والوقار جناية وشبهة والعفة موضة تتلاشى وحالة من الماضي أو محطة ما قبل النهاية ! يا لَهذا الزمن التعبان … زمن يموت به الوجدان ويغدو به الإنسان بلا إنسان ويقاس في مواقع التواصل بعدد المتابعين وألوان الفضائح لا بقيمة الحضور وعدد المواقف . زمن يمنح الشهرة لمن يصرخ أكثر لا لمن يفكر أعمق حتى صار بعض المشاهير نجوما لما يصنعون من التفاهة مهنة وبوابة للشهرة ومن السطحية رسالة بلا دراية ومن العبث مدرسة لأشباه الرجال الذين أنهكهم الفراغ حتى تيقنوا أن الضحك على كل شيء هو قمة الثقافة والوعي . أما الأسرة عمود المجتمع والقلعة التي كانت تحرس القيم وتؤسس للفضيلة فقد حاصرتها الصرعات والنزوات من كل الجهات . عولمة أشبه بالبركان , هاتف صغير يجلس على المائدة أكبر من الأب وأشد هيبة منه وأقرب إلى الابن من دفء الأم وحنانها وأشد تأثيرا من المرشد والمدرسة . لقد صار البيت فندقا للنوم على عجل والمائدة محطة للشحن ما بعد وجبة سريعة على الماشي أما الحوار فقد أمسى عملة نادرة إن صار وحصل إما لمشكلة أو حاجة اضطرار أو قضية الله أعلم ما فيها !! والدفء الأسري ويا حزني وشوقي وآهاتي للدفء الأسري فهو اليوم ذكريات تروى وحكايات تقال أكثر مما تُعاش . نحن في زمن تتآكل به الأرواح بصمت ويُخفي الإنسان انكساره ببراعة تفوق براعته في صناعة الحياة . زمن نركض فيه بلا وجهة ونستهلك أعمارنا في مطاردة ما لا يستحق حتى صار العمر أسرع من أحلامنا والوقت أضيق من أمنياتنا والإنسان أغرب من غريب . كأن البوصلة ضاعت والسفينة تمخر بحرا بلا رُبّان . أخيرا وليس آخرا أقول إني لست متشائما فالتشاؤم استسلام وأنا أكره ثقافة الاستسلام لكنها الحقيقة بطعم الحنظل , فما أكثر من يصفقون للجرح وما أقل من يبحثون عن الدواء . لكن الأمل يبقى قائمًا ما دام فينا ضمير لا ينام وعقل لا يُشترى وقلب لا يساوم على الثوابت فالحضارة أخلاق قبل أن تكون أبراجا والتقدم علم وعمل وقيم لا ضوضاء وفوضى وشعارات . زمننا غريب في كل شيء وعجيب في كل شيء . لكن الأغرب منه أن نعتاد غرابته وأن نُسلِّم لتياره وأن نُقنع أنفسنا بأن الانحدار قدرٌ لا يُقاوَم .



