اخر الأخباراوراق المراقب

نهج الحسين (ع) في مواجهة الفساد والتأسيس للمواطنة الصالحة

د. علاء إبراهيم محمود الحسيني..

انتهى التطور القانوني في العالم أجمع إلى التأسيس للدول كي تكون أداة قانونية ضامنة لسعادة المواطن، وتم تنظيم العلاقة بين الفرد والدولة بموجب القانون على اختلاف تسمياته، أو تدرج قواعده القانونية، وتباين مصدر تلك القواعد، وكان لا بد من تنظيم العلاقة بين الأفراد بعضهم ببعض، والعلاقة بالدولة، وهذه العلاقات لها طابع قانوني بالدرجة الأساس، ولها أهمية كبيرة لكونها تضمن العيش الكريم، والاستقرار، والشعور الكامل بالأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

ومجرد كلمة المواطنة تعني الكثير من المفاهيم السامية التي ترتبط بحب الوطن والأرض والآخرين، والمواطنة تعني الانتماء والعمل للوطن، ووجود رابطة قانونية وسياسية ومعنوية تصل بين الفرد والوطن. وهي تكون إيجابية حين يكون الفرد مبادرًا سباقًا إلى الخير والإصلاح، فاعلًا وإيجابيًا في الشأن العام، وعلى العكس تكون سلبية حين يكتفي الفرد بالتفرج والوقوف على التل في المسائل التي تترك أثرًا في حياة المجتمع ومستقبله، أو يشترك في الفساد أو الإفساد بأي شكل من الأشكال.

إذن، المواطنة في معناها الأدق تعني التفاعل الإيجابي بين الفرد وقضايا الوطن، والشعور بالانتماء والفخر بهذا الانتماء، ويكمل ما تقدم التفاعل بين الطرفين، حيث يحصل الفرد على الحقوق والحريات، ويمنح للوطن كل ما من شأنه علو شأنه من خلال النهوض بالواجبات، لا سيما في أوقات الأزمات كالحروب والكوارث الطبيعية وغيرها. وينسحب الأمر إلى التكاليف العامة كالوظائف، إذ ينهض الفرد بها ليس لكونها تكليفًا قانونيًا فحسب، أو خشية الرقابة والمساءلة، إنما يقوم بالواجبات لشعوره بالمسؤولية، فيبدع في القيام بها أولًا، ولا يكتفي بتعقب روتينها اليومي، إنما يسعى وبشكل حثيث لتطويرها وتحقيق مقتضاها وهدفها المتمثل في الخدمة العامة، بمعنى آخر أنها تتجلى بالإخلاص في العمل والحرص على مقوماته المادية لاستمراره بشكل دائم.

وللمواطنة في أدبيات نهضة الحسين معنى أشمل مما تقدم؛ إذ تعني الانتماء إلى الجنس البشري، والسعي الجاد لإعلاء شأن الكرامة الإنسانية، وبلوغ حالة المساواة التامة أمام القانون، والحرص الشديد بالمقابل على المصلحة العامة بكل تجلياتها الدينية أو الدنيوية. فهو لا يرى الوطن ذلك الجزء من الأرض الذي تحده حدود صنعها الإنسان، بل الوطن هو الإنسان ذاته، فصلاحه صلاح للدين والمجتمع، وفساده يعني فساد القيم الأخلاقية العليا.

ومصداق ما تقدم أنه (عليه السلام) أرسل إلى أهل الكوفة كتابًا مع مسلم بن عقيل (عليه السلام)، جاء فيه: ((فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائر بالحق، والحابس نفسه على ذات الله، والسلام)). وما تقدم قراءة حية لمعنى الانتماء للإسلام والمواطنة الحقة التي تجعل الحاكم أمام اختبار حقيقي، فلا يصح أن يكون فاسقًا أو فاجرًا أو خائنًا أو فاسدًا بعيدًا عن المجتمع المسلم الذي بُني بالدرجة الأساس على الفضيلة والقيم الحقة.

ومما تقدم يمكننا أن نرصد بعضًا من سمات المواطنة وفق الرؤية والقيم التي نادى بها أبو عبد الله الحسين (عليه السلام)، وهي:

أولًا: الإيمان المحض بالله تعالى

فالإيمان الحقيقي معيار استقامة الفرد في سلوكه الاجتماعي، ومن شأنه أن يحرك الهمة، ويصقل العزيمة، ويحمل على الإخلاص في تحمل الأمانة، والقيام بالواجبات تجاه المجتمع والأفراد الآخرين. ونستفيد هذا المعنى من كلام الإمام الحسين وهو يخاطب أخته الحوراء زينب يوم العاشر قبيل مصيبة مقتله، إذ يقول لها: (يا أخية، اتقي الله، وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأنّ أهل السماء لا يبقون). وهذا الكلام ينم عن الإيمان الصلب الذي تحلى به الإمام يوم عاشوراء؛ لأنه يرى الموت في سبيل المبدأ حياة، والعيش مع الفاسدين برمًا.

ثانيًا: صيانة الأمانة

يقول الله عز وجل: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا”. والمفيد أن الحسين (عليه السلام) انطلق بحفظ الأمانة من منطلق القوة والتمكين، والتنشئة الإسلامية التي تربى عليها منذ صباه في حجر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فصار هذا السلوك عنده منهج حياة، وأورثه إلى أولاده من بعده فالإمام السجاد ابن الحسين (عليهما السلام) يُسأل عن الأمانة، فيجيب: لو أن قاتل الحسين ائتمنني لأديت له الأمانة. وفيما تقدم درس تربوي عميق ناشئ من تراكم تربوي نهله من أبيه وجده (عليهم السلام).

ثالثًا: القناعة والزهد عمَّا حرم الله

قال الحسين (عليه السلام) لأصحابه يومًا: ((ليرغب المؤمن في لقاء ربه حقًا حقًا)). ومن الثابت أن الإنسان المتقي الورع عن محارم الله يلزم القناعة والزهد، ولا يطمع بالقليل أو الكثير، فيعيش السعادة الحقيقية التي تتمثل في اليد البيضاء التي طالما امتدت للآخرين لتعطي لا لتأخذ. لهذا، ورد في خطبته (عليه السلام) يوم العاشر من المحرم: ((الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالًا بعد حال، فالمغرور من غرته، والشقي من فتنته، فلا تغرنكم هذه الدنيا، فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيب طمع من طمع فيها)). وقال تعالى: “وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ“.

رابعًا: الحلم والأناة

عُرف عن الحسين (عليه السلام) الحلم، وكان لا يقابل مسيئًا بإساءة قط، ولا يعيب على أحد شتمه أو ظلمه، بل كان يغدق على مثل هؤلاء بالبر والمعروف. يُروى عنه أنه قال: ((لو شتمني رجل في هذه الأذن -وأومأ إلى اليمنى- واعتذر لي في اليسرى، لقبلت ذلك منه، وذلك أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) حدثني أنّه سمع جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: لا يرد الحوض من لم يقبل العذر من مُحق أو مُبطل)).

خامسًا: الشجاعة

إذ ورث الحسين (عليه السلام) عن جده وأبيه أسمى معاني الشجاعة، حيث وقف وحيدًا في يوم العاشر من المحرم سنة 61 هجرية ليقارع قوى الشر والطغيان، ولم تأخذه في الله لومة لائم. وقف وحيدًا يوم تقاعس الكثير من المسلمين عن تكليفهم الشرعي والأخلاقي بالوقوف بوجه قوى الشر والفساد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى