مع قرب الانتخابات الإسرائيلية.. هل يتجه نتنياهو للحرب؟

بقلم: وسام أبو شمالة..
تجمع كافة المستويات داخل “إسرائيل” على أن الحرب التي اندلعت قبل نحو ألف يوم، لم تحسم على كافة الجبهات، في غزة ولبنان وإيران، وعلى الرغم من القوة العسكرية الهائلة التي استخدمتها “إسرائيل” بدعم وشراكة أمريكية كاملة، إلا أنها لم تحقق النصر ولم تؤدِ إلى إخضاع المقاومة، ودخلت “إسرائيل” في معركة استنزاف طويلة ومرهقة، انعكست على تماسكها الاجتماعي والسياسي، وتراجعت حظوظ الائتلاف الحكومي في الانتخابات المقبلة، كما تراجعت مكانة “إسرائيل” الدولية، وحتى علاقاتها ونفوذها داخل المؤسسات الأميركية الرسمية وشعبيتها في تناقص مستمر، ولم تعد الثقة بين نتنياهو وترامب كما كانت بعد تولي الأخير الرئاسة الأميركية.
بعد أكثر من ألف يوم على الحرب، لم تحقق حكومة نتنياهو مكاسب على الصعيد الاستراتيجي، ولم تترجم تفوقها العسكري وتحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة إلى مكتسبات سياسية، أو حسم عسكري، ما أبقى كافة الجبهات مفتوحة، تقف “إسرائيل” أمامها في مشهد سياسي- أمني شديد التعقيد؛ فهل تهرب حكومة نتنياهو من المأزق الاستراتيجي بالهروب إلى الأمام والعودة إلى الحرب المكثفة؟ أم تعود إلى السياسة وتسعى للتسويات وتتعاون مع مبادرات أكثر واقعية لليوم التالي للحرب؟
في قطاع غزة لا يبدو أن الأهداف الإسرائيلية يمكن أن تتحقق على طاولة المفاوضات بعد أن أجهضت في ميدان القتال، ولا يبدو الأفق السياسي حول معضلة غزة قريب المنال، وفي لبنان، مواجهة عسكرية لم تغلق، والباب دائماً مشرع لتجددها، والحرب الإسرائيلية- الأميركية على إيران لم تخمد بفعل اتفاق وقف إطلاق النار ولم تتضح نتائجها السياسية بعد.
أمًا على الصعيد الداخلي الإسرائيلي، فإن “الجيش” مستنزف والمجتمع منهك، ومنقسم، في كل شيء وعلى كل شيء، فمن الصراع على تشكيل لجنة تحقيق في فشل السابع من تشرين الأول، إلى الخلافات حول قانون التجنيد مع اقتراب موعد الانتخابات، الأمر الذي ترجم إلى نزيف حاد في ثقة المجتمع الإسرائيلي بكافة مؤسساته من رئاسة الحكومة إلى “الجيش” والشرطة والقضاء وغيرها، الأمر الذي تجاوز في حدته حالة الاستقطاب الحاد على هوية الدولة والقضاء قبيل معركة طوفان الأقصى، وفي مقابل ذلك كله، ما يزال خطاب الائتلاف الحكومي ورئيسه نتنياهو يواصل التركيز على إنجازات غير مسبوقة، بيد أنها تحتاج إلى استكمال.
من هنا لا يزال نتنياهو يراهن على العودة إلى الحرب بداعي إكمال المهمة وتحقيق النصر المطلق وإخضاع “العدو” بعد تدميره، ما سيؤهله لحصد مزيد من المقاعد التي خسرها بسبب عدم الحسم وغياب النصر عن جبهات المواجهة، ولعل ما تحدث به مئير بن شبات، رئيس مجلس الأمن القومي السابق القريب من نتنياهو، عن ضرورة العودة إلى الحرب على غزة، لأن “إسرائيل” في نظره ما زالت بعيدة عن حسم المعركة ضد “العدو الذي بدأ كل شيء”، ملمحاً إلى ضرورة إقناع الولايات المتحدة بعدم الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار قبل العودة إلى حرب عالية الكثافة، لأنه من دون سيطرة عسكرية على كامل أراضي غزة، وعلى السكان، لن يكون من الممكن تحقيق هدف الحرب الأول وهو تفكيك المقاومة، وإنهاء العمل على الساحة التي بدأ منها كل شيء.
إذا كان نتنياهو وجوقته يتحدثون عن الحرب بلا نهاية، تحت حجج الحسم والنصر المطلق، بهدف الفوز في الانتخابات المقبلة، بصرف النظر عما تواجهه “إسرائيل” من معضلات استراتيجية داخلية وخارجية بفعل إغلاقها باب الدبلوماسية ورفضها مسارات التسوية، فإن مستويات التفكير داخل عدد من مراكز الأبحاث الإسرائيلية وأوساط مختلفة، باتت ترى في الانسداد السياسي القائم مأزقاً استراتيجياً يجب أن تخرج منه “إسرائيل” عبر بوابة السياسة وليس دق طبول الحرب.
يرى عدد من الباحثين والمحللين الإسرائيليين، أن إدارة الأزمة الإسرائيلية الراهنة محكومة بسياسات نتنياهو التكتيكية قصيرة المدى المرتبطة بالأساس بفرص فوزه في الانتخابات، وغير مهتم ببناء مسارات إقليمية ستتمتع فيها “إسرائيل” بميزات سياسية واقتصادية، ولا سيما على صعيد توسيع اتفاقيات “أبراهام”، على أن توافق الحكومة الإسرائيلية على إنهاء الحرب على كل الجبهات والانسحاب من الأراضي التي احتلتها وبدء مسارات سياسية إقليمية شاملة، وهي مسارات تخدم “إسرائيل” وتحقق لها أكثر ما أنجزته عبر الحروب.
خيارات نتنياهو حتى الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول المقبل لن تتخطى السعي لتصعيد الموقف الميداني والعسكري على مختلف الجبهات، وسيستخدم كل أدواته ومهاراته وما بحوزته من معلومات استخبارية لإقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في اللقاء المقبل معه في البيت الأبيض، للتنصل من الاتفاق مع إيران بعد اتهامات توجه لها بعدم الالتزام به، والسعي لاغتياله، ودفعه لاستئناف الحرب المكثفة على إيران بهدف إسقاط النظام، ومنحه الضوء الأخضر لتوسيع نطاق العدوان على لبنان بما يشمل الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي حال تمسك ترامب بالمسار الدبلوماسي مع إيران إلى جانب الضغط العسكري المنضبط، فإن نتنياهو سيكثف ضغطه على ترامب كي يمنحه الغطاء لاستئناف الحرب المكثفة على غزة، بحجة نزع السلاح الفلسطيني وإخضاع المقاومة.



