اراء

فلسطين في مراسم الوداع

بقلم: د. إدريس هاني..

في ممشى شارع فلسطين، اتجهنا ناحية ساحة فلسطين حيث كانت لنا كلمة في مهرجان خطابي، بعد مسيرة توديع جثمان الشهيد قائد الجمهورية الإسلامية بطهران. هنا، نسافر عبر الذاكرة إلى لحظة القرار الاستراتيجي الكبير، يوم تم تحويل سفارة كيان الاحتلال إلى مقر لسفارة فلسطين. كنت أتدبر موقع السفارة قبل أن تعود إلى أهلها الأصليين. لا أحد درس من ناحية القانون الدولي مشروعية هذا الفعل الثوري، الذي قلب الطاولة على أمر واقع بعنف الاستعمار والوعد الكاذب. فالقانون الدولي لا زال يتسع لفجوات منها يتسلل العدوان وتتم كبرى الانتهاكات لمبادئه.

أما عن مكانة فلسطين في وجدان وبرنامج الجمهورية الإسلامية شعبا وقيادة، فهو فوق أن يوزن بميزان التشنيع والمغالطة. فلقد عبر أبو عمار، يوم ترأس أول وفد يصل إلى طهران لتهنئة الشعب الإيراني بانتصار ثورته، بأن هذا الانتصار هو لفلسطين. كان بريق عيون الفصائل الفلسطينية يعبر عن حالة انتصار لا تضاهى، لا يتعلق الأمر يومها بمجاملة، فالسياق حامي الوطيس، وكان قادة الثورة قد دخلوا السجون قبل انتصار الثورة بسبب القضية الفلسطينية، وعلى رأسهم الشهيد السيد خامنئي.

فلقد بدأ مساره النضالي كمناهض للاحتلال، وها قد قضى شهيدا على طريق القدس. لقد سعى خصوم إيران للتشكيك في هذا الموقف تحت ذريعة أن القضية الفلسطينية هي قضية عربية، وعلى هذا المبنى اعتبروا الموقف الإيراني تدخلا في شأن عربي، ثم سرعان ما اعتبروا ذلك الموقف مجرد استغلال لقضية عادلة لأسباب توسعية. مع أنه لم يحدث منذ العصر الصفوي أن احتلت إيران بلدا عربيا، ولكن التأريخ شاهد على أن المؤامرة لم تكن ضد إيران فحسب، بل لقد طال التشنيع الدول العربية التي شكلت آخر القلاع ضد الاحتلال، بالوصفة نفسها من التشنيع. هذا وقد كان الشهيد قائد الجمهورية هاشميا من أشراف أهل البيت العرب. لقد انفجرت المفارقة وابتلع الخصم شظاياها بعد شهادة القيادة وبعض من أهله وبعض المسؤولين في الجمهورية الإسلامية. فالشهادة هنا ليست مسرحية، والتضحية هنا ليست لعبة. ولا يمكن انتظار 40 سنة لكي ندرك حقيقة بديهية كهذه، كما لا ننتظر من وصل متأخرا ليعلمنا عن تأريخ تتبعنا وقائع ثانية بعد أخرى لأكثر من أربعة عقود.

إن القضية الفلسطينية في منظور لاهوت التحرير الإيراني مكفولة ومتضمنة في شروط الولي الفقيه، نظرا لولايته في مستوى الفتوى والقضاء والحسبة. والعدالة والشجاعة كلاهما شرط متين في ولايته. وتبدو الشجاعة عند التشخيص والتنزيل والمصداق، هي الشجاعة في تدبير الموقف من القضية الفلسطينية، فلو تنكر الولي الفقيه للقضية الفلسطينية، فمن حق مجلس خبراء القيادة عزله دستوريا. بهذا المعنى أقول وأكرر، بأن القضية الفلسطينية هي شرط في ثبوت الولاية للفقيه بالمصداق.

يصعب استيعاب مسار رجل تقلب في مناصب ومسؤوليات متعددة يجمع بينها واجب الكفاح. رفيقه في بداية التأسيس الشهيد مصطفى شمران، المهندس الذي نشط كفدائي في صفوف فتح قبل انتصار الثورة، فلقد كان وزير الدفاع الأول في الجمهورية فدائيا فتحاويا بامتياز. وزير خارجية الجمهورية في حكومة الشهيد السيد خامنئي هو الدكتور علي أكبر ولايتي، يوثق في عمل خاص موقف الثورة من القضية الفلسطينية، ومن هناك نفهم سبب الدعم المادي والرمزي المعلن لقوى المقاومة وصولا إلى حرب الإسناد المتوقعة.

لم تربح إيران شيئا في دعمها المبدئي للقضية الفلسطينية، ولا هي تحتاج أن تتمسرح في هذا الموقف. لقد كانت الكلفة كبيرة والتحدي أعظم. فقبل سنوات، تضمن خطاب الشهيد السيد رئيسي قبل استشهاده موقفا واضحا من القضية الفلسطينية، وهو ما جعلني أبادر لتوشيحه بالكوفية الفلسطينية في مشهد تلقائي، ثم ما هي إلا يومين أو ثلاثة، حتى سمعنا بسقوط المروحية التي كانت تقله في طريق العودة من أذربيجان. هؤلاء يمارسون الشهادة وهم أحياء، وحين يترجلون يرتقون شهداء في مشهد سوريالي يؤكد حقيقة أن هذه المعركة أحيت فيهم قضية قديمة، قضية انتصار الدم على السيف.

في مراسم الوداع حضر العنوان الفلسطيني بشكل واضح. شارك وفد كبير ممثلا للفصائل الفلسطينية في هذه التظاهرة الكبيرة، بدا واضحا أنها حرب قوضت مشروع الشرق الأوسط الجديد، كما قوضت مشروع تصفية القضية الفلسطينية. لم يعد هناك ما يتطلب مزيدا من البراهين على قضية بديهية كهذه، فكل ما واجهته إيران هو من أجل القضية الفلسطينية، وإلا، فقد بات واضحا أن الإمبريالية والاحتلال مستعدان للتعاون مع قوى الإرهاب والتطرف عند الاقتضاء، شريطة القبول بالوصاية، فما الذي يمنعهم من فعل ذلك مع إيران إن شاء التنازل عن مبادئها ومواقفها.

فلسطين بالنسبة لإيران منذ انتصار ثورتها هي أم القضايا العادلة في هذا العصر، ولقد منحتها عنوانا من صميم وجدانها، وهي لم تخف يوما مساندتها، وقدمت على طريق القدس شهداء من أبرز قياداتها. هذه المعركة أنقذت القضية الفلسطينية من التصفية التي برمجت منذ سنوات. المعركة لازالت مفتوحة، ولكن لا يوجد شيء محسوم عند قراءة قواعد الاشتباك. لكن لنتذكر أنه مادمتَ تقاوم فأنت منتصر!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى