اراء

حين تعجز القوة عن اغتيال الفكرة


بقلم/ عامر جاسم العيداني
..


ظنّوا أن اغتيال رجلٍ سينهي المسيرة، فإذا بالفكرة تمتد إلى الملايين وأرادوا إطفاء شعلة واحدة، فإذا بها تشعل أمة كاملة. تلك هي المفارقة التي كثيرا ما يعجز منطق القوة عن فهمها، فالأجساد قد تغيب، أما الأفكار التي تسكن ضمير الشعوب فلا تغيب برحيل أصحابها.
لقد شكّل اغتيال السيد علي الخامنئي حدثاً مفصلياً في تأريخ المنطقة ليس فقط لما يمثله من ثقل ديني وسياسي وإنما لما ترتب عليه من ردود فعل شعبية غير مسبوقة. فقد خرجت الملايين في إيران والعراق ودول أخرى لتؤكد، أن الرجل لم يكن مجرد قائد سياسي بل رمزاً لمشروع فكري وعقائدي آمنت به جماهير واسعة.
وكان للعراق حضوره الاستثنائي في هذه اللحظة التأريخية فمن النجف الأشرف مدينة المرجعية والعلم إلى كربلاء المقدسة مدينة الإمام الحسين “عليه السلام” احتشدت الملايين لتشييع الشهيد السيد علي الخامنئي في مشهد حمل دلالات دينية وسياسية عميقة، ولم يكن ذلك مجرد مراسم وداع بل إعلاناً بأن العلاقة بين الشعب العراقي وهذه الشخصية تجاوزت حدود السياسة إلى فضاء الانتماء العقائدي والوجداني.
لقد بدت النجف وكربلاء وكأنهما تكتبان فصلاً جديداً من تأريخ التضامن بين الشعبين العراقي والإيراني، قبل أن ينتقل موكب التشييع إلى مدينة مشهد المقدسة، حيث اكتملت صورة المشهد المليوني الذي تابعه العالم بأسره. ومن العراق إلى إيران كانت الجماهير تقول بلغة واحدة، أن الأفكار لا تُشيّع إلى المقابر بل تُولد من جديد في ضمير الشعوب.
إن مشاهد الملايين التي ملأت شوارع النجف وكربلاء ثم مشهد لم تكن مجرد أرقام وإنما رسائل سياسية بليغة. فالذين اعتقدوا أن اغتيال القيادة سيؤدي إلى انكسار المشروع وجدوا أنفسهم أمام حالة تعبئة شعبية واسعة تؤكد، أن الاغتيال قد ينهي حياة إنسان لكنه لا ينهي القضية التي آمن بها ولا المسيرة التي كرّس عمره لها.

ولعل أهم ما كشفته هذه الحشود هو أن الرابطة بين القيادة والجمهور لم تكن قائمة على السلطة وحدها بل على منظومة من القيم والمعتقدات والرؤية المشتركة. ولهذا جاءت الجموع لتؤكد، أن الفراغ الذي يتركه القائد يمكن أن تملأه المؤسسات والقيادات الجديدة، أما الفكرة فإنها تبقى حية ما بقي المؤمنون بها.
إن التأريخ يعيد نفسه بأشكال مختلفة فكم من قائد اغتيل وهو يظن أن مشروعه سينتهي معه، فإذا بغيابه يتحول إلى نقطة انطلاق جديدة ويصبح اسمه عنواناً لمرحلة أكثر حضوراً وتأثيراً. وهكذا فإن اغتيال السيد علي الخامنئي في نظر أنصاره لم يكن نهاية الطريق بل بداية فصل جديد من فصول الحضور الرمزي والسياسي.
لقد أرادوا إسكات صوت لكنهم أيقظوا ملايين الأصوات، وأرادوا إنهاء مسيرة فإذا بها تتسع وتتجاوز الحدود. وبين النجف وكربلاء ومشهد كتبت رسالة واضحة مفادها، أن القوة تستطيع أن تستهدف الأشخاص لكنها تبقى عاجزة عن اغتيال الفكرة حين تتحول إلى عقيدة في وجدان الشعوب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى