وجهة نظر فوق المعتاد

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي..
حاولت أن أكتب وجهة نظر طبيعية اعتيادية مألوفة عن الوضع في العراق، وجهة نظر لا تُربك القارئ المثقل ولا تُقلق السياسي المبجّل ولا تُزعج الخبير الأمني المفطحل ولا تلفت انظار الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. حاولت أن أكتب كما يكتب أغلب الكتاب هذه الأيام كلمات موزونة وعبارات محسوبة وتحليلات لا تجرح أولي الأمر ولا تُغضب الأتباع ولا المتبوع، لكنني فشلت… فشلت فشلًا ذريعاً وعلى سبيل المثال لا الحصر. كيف أكتب وجهة نظر طبيعية عن حملة رئيس الوزراء على الفساد رغم ثقتنا بصدق نواياه وجدية عزمه على مكافحة هذا الوباء، لكننا نرى حيتان الفساد أنفسهم يمتدحون الحملة ويشيدون بالصولة ويصفقون لها، ونرى أن أبرز المتهمين يغادرون أبواب السجون بمبررات تقر العيون، هذا يخرج بكفالة قانونية وذاك يخرج لوعكة صحية وثالث يخرج لأن الأدلة لم تثبت، فلا تهمة ولا قضية، ورابع يخرج لأن رئيس كتلته قد (زعل) واعتبر اعتقاله مساساً بالتوازنات الوطنية! أية صولة هذه التي تبقى الرقاب التي أكلت المال العام محصنة بالحصانات ومحمية بجدران المحاصصة؟! حاولت أن أقتنع بأن المعركة حقيقية لكن الحقيقة كانت أكثر تحدياً للزيدي وأكثر عنادا من محاولاتي، كيف أكتب بشكل طبيعي وأنا أرى حيتان الفساد تعيش حالة من الاطمئنان في جميع الأحزاب شيعة وسنّة وكرداً!!… إنهم يتصارعون على المناصب لكنهم يتفقون على أن تكفي الكعكة أفواه الجميع. تتغير الأشكال وتتبدل البزات وتختلف اللهجات لكن الخزنة واحدة وأن تعددت المفاتيح فالوليمة واحدة. أما الفاتورة فلا يدفعها إلا المواطن البائس المظلوم، قالوا: إن القانون فوق الجميع فبحثت عن هذا الجميع فلم أجده إلا من الموظف الصغير أو الشرطي البسيط أو المواطن الذي خالف في إشارة المرور. حاولت أن أقتنع بأن مكافحة الفساد تحتاج الى وقت وتحتاج صبراً وعدلاً، لكنها لا تحتاج إلى أن يتحول اللص إلى شاهد والفاسد إلى مصلح والمتهم إلى ضحية والسارق إلى خبير في النزاهة.
في العراق كل شيء قابل لإعادة التدوير إلا المال المنهوب، أما الفاسد فيُغسل سياسياً ويُجفف إعلامياً ثم يُعاد إلى السوق الوطنية بعبوة وطنية جديدة وشعار وطني جديد وتحالف وطني جديد، أعجب ما في الأمر أن الجميع يعلن الحرب على الفساد. الفاسد يحارب الفساد وشريك الفاسد يحارب الفساد ومن تستر على الفاسد يحارب الفساد!!!، أما المواطن المظلوم والمنهوب فعليه أن يصدق وأن يصفق وأن ينتظر ويقتنع بأن الغد سيكون أفضل، حتى لو كان الأمس قد سُرق واليوم قد رُهن والغد معروضاً في سوق النخاسة بمزاد السياسة. لذلك سامحوني إن لم أستطع أن أكتب وجهة نظر اعتيادية طبيعية مألوفة ولم أعتبر إفلات الفاسدين من العقاب انتصاراً للعدالة. لقد اكتشفت أن أخطر أنواع الوحدة الوطنية في العراق هي وحدة الفاسدين لا يجمعهم برنامج سياسي ولا مشروع وطني ولا رؤية اقتصادية… بل يجمعهم خوف واحد وقلق واحد وكابوس واحد لمصير واحد خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، أصبحت أعتقد إن الفساد في العراق كائن مبجّل لا يموت، لا يُعتقل، ولا يُحاكم بل يتناسخ وله حق الإرث والتوارث. بقي أن أقول: إن العراق أكبر من الأحزاب وأبقى من الحكومات وأشرف من الفاسدين جميعاً وأخطر ما يهدده اليوم ليس نقص الأموال ولا قلة الموارد ولا تقلبات السياسة ولا حتى جنون الرئيس الأمريكي المعتوه ترامب بكل إجرامه وما سيأخذه من نفط العراق وما ستحظى شركاته الاستثمارية من ثروات العراق ونفطه وما ستؤول إليه زيارة الزيدي الى واشنطن، فترامب سيرحل وتتغير الأمور ان شاء الله، لكن أخطر ما يهدد مستقبل العراق هو اعتياد الناس على رؤية اللصوص وهم يتبادلون أدوار البطولة حتى يصبح الفساد خبراً عادياً والفضيحة حدثاً موسمياً والعدالة ضيفاً يزور البلاد في تداعيات من قضاء وقدر .
اعذروني إن كانت وجهة نظري فوق المعتاد، لأن الواقع نفسه خرج منذ زمن بعيد عن حدود المعتاد، فحين تصبح الحقيقة تهمة والصراحة مغامرة والسخرية آخر وسائل الدفاع عن العقل والحق غريباً يعاني من وحشة الطريق، فلا تلوموا الكاتب الحر إذا تجاوز المعتاد.



