اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

الأزمة المالية تطيح بسُلّم الرواتب وكتل سياسية تستغله للدعاية

الحكومات السابقة عجزت عن تنفيذه


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..


في وقت يواجه فيه العراق، ضغوطاً مالية متصاعدة وتراجعاً في الإيرادات النفطية، عاد ملف تعديل سُلّم رواتب موظفي الدولة إلى واجهة النقاش السياسي والبرلماني، رغم التحذيرات من أن الظروف الاقتصادية الحالية لا تسمح بتنفيذ مشروع بهذا الحجم، وسط تشكيك في إمكانية تحويله إلى قانون نافذ بعد سنوات من الوعود المتكررة.
وتأتي عودة هذا الملف في ظل أزمة مالية تفاقمت بفعل الاضطرابات الإقليمية وانخفاض الإمدادات النفطية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على إيرادات الخزينة العامة، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العراقي بصورة شبه كاملة على النفط كمصدر رئيسٍ لتمويل الموازنة، وهو ما حذّرت منه المؤسسات الاقتصادية الدولية مراراً، مطالبة بتنويع مصادر الدخل وتفعيل قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والاستثمار.
ويرى مختصون، إن إعادة طرح تعديل سلم الرواتب في هذا التوقيت يحمل أبعاداً سياسية أكثر من كونه مشروعاً قابلاً للتطبيق، مؤكدين، أن الحكومات السابقة، حتى خلال سنوات الوفرة المالية وارتفاع أسعار النفط، لم تتمكن من إقرار هذا التعديل بسبب تعقيداته القانونية والإدارية وارتباطه بعشرات التشريعات والقرارات التي تتطلب تعديلاً أو إلغاءً داخل مجلس النواب.
وأكدوا، أن أي تعديل شامل لسلم الرواتب يحتاج إلى معالجة الفوارق الكبيرة بين رواتب موظفي المؤسسات المختلفة، ولا سيما بين الرئاسات والهيآت المستقلة وبعض الوزارات، بما يحقق قدراً أكبر من العدالة الوظيفية، إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب موارد مالية مستقرة وإصلاحاً إدارياً واسعاً، وليس مجرد تشريع قانون جديد.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن تطبيق سُلّم الرواتب الجديد قد يكلف الموازنة العامة نحو 11 تريليون دينار إضافية سنوياً، وهو رقم يمثل عبئاً كبيراً في ظل الضغوط التي تواجه المالية العامة، لاسيما مع استمرار ارتفاع الدين العام الداخلي، الذي بلغ نحو 95،68 تريليون دينار حتى نهاية نيسان 2026، بزيادة تجاوزت خمسة تريليونات دينار مقارنة بنهاية عام 2025.
ويربط مختصون أزمة الرواتب أيضاً بالتضخم الكبير في أعداد موظفي الدولة، نتيجة سياسات التعيين التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة، والتي توسعت في استحداث الوظائف، خصوصاً خلال المواسم الانتخابية، من دون وجود خطط حقيقية لتلبية احتياجات المؤسسات أو رفع كفاءة الجهاز الإداري، الأمر الذي أدى إلى تضخم فاتورة الرواتب واستنزاف جزء كبير من الإنفاق الحكومي.
كما لفتوا إلى أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم بمعزل عن إصلاح شامل لسوق العمل، في ظل استمرار تخريج أعداد كبيرة من الطلبة سنوياً، مقابل محدودية فرص العمل في القطاع الخاص واعتماد أغلب الخريجين على التوظيف الحكومي.

من جانبه، أكد عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “الواقع المالي الذي يمر به العراق لا يسمح بإجراء أية زيادات على رواتب موظفي الدولة في الوقت الحالي، بسبب ارتفاع مستويات العجز والضغوط التي تواجه الموازنة العامة”.
وأضاف كوجر، إن “أية زيادة، حتى وإن كانت بحدود 25 ألف دينار لكل موظف، ستفرض أعباءً مالية كبيرة على خزينة الدولة، لافتاً إلى أن عدد موظفي القطاع العام يقترب من خمسة ملايين موظف، ما يعني أن أي تعديل على الرواتب سيترتب عليه إنفاق إضافي بمليارات الدنانير سنوياً.”
وأوضح، أن “الحكومة قادرة حالياً على الاستمرار في صرف الرواتب وفق السُلّم النافذ، لكنها لا تمتلك القدرة المالية لإقرار زيادات جديدة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة”، مشيراً إلى أن” تعديل سلّم الرواتب يمثل استحقاقاً قانونياً يهدف إلى تحقيق العدالة وتقليص الفوارق بين الموظفين، إلا أن تنفيذه يبقى مرهوناً بتوافر الإمكانات المالية اللازمة”.
ولفت الى أن “الطروحات التي تروّج لها بعض الكتل السياسية بشأن قرب إقرار تعديل سلّم الرواتب لا تستند إلى معطيات مالية واقعية، معتبراً، أن هذه الدعوات تندرج في إطار المزايدات السياسية أكثر من كونها مشاريع قابلة للتنفيذ في المرحلة الحالية”.
وسيبقى ملف تعديل سلّم الرواتب – حسب رأي المراقبين – حاضراً في الخطاب السياسي مع كل دورة انتخابية، لكنه سيظل مؤجلاً ما لم تقترن الوعود بإصلاحات اقتصادية وإدارية شاملة، وقدرة مالية حقيقية تضمن تنفيذ القانون من دون تعريض الموازنة العامة لمزيد من الضغوط أو زيادة مستويات الدين العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى