اراء

غسان كنفاني يبعث من جديد!

بقلم: آسيا العتروس..

وكأن غسان كنفاني لم يغِبْ يوما عن غزة فقد انطلقت كلماته مبكرا في استباق ورصد جرائم الحرب وظلت كالرصاص يستهدف حصون الاحتلال وينتصر للمقاومة بكل رسائلها.. سبق لكنفاني أن شهد أن أكتاف الرجال لحمل البنادق، فإما عظماء فوق الأرض أو عظاما في جوفها”.. فاختزل بذلك ما عرفته غزة خلال أكثر من عدوان همجي مرت به خلال العقد الماضي وكان غسان كنفاني شاهدا عليه بالغياب.. انتصر كنفاني لفلسطين ولغزة ولنسائها واطفالها وشيوخها وأبطالها ومقاومتها كما انتصر للأقصى بالحضور والغياب ولا يزال..

يقول كنفاني في كتابه عائد الى حيفا “الدموع لا تسترد الضائعين ولا المفقودين ولا تجترح المعجزات! كل دموع الارض لا تستطيع أن تحمل زورقا صغيرا يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود…” وقد صدق كنفاني لا الدموع ولا الاحزان ولا اليأس يمكن أن تساعد في استعادة الوطن والرفاق أو ما ضاع.. نعم كل دموع العالم لن تتسع لأبوين يبحثان عن فلذة كبد ضاع بسبب الظلم والطغيان.

مرت هذا الاسبوع أربعة وخمسون عاما على اغتيال غسان كنفاني , وهي بحساب الزمن أكثر من نصف قرن لم يغب فيها اسم غسان كنفاني الصحفي والروائي والمؤرخ والمبدع الفلسطيني العابر للحدود الذي ترك إرثا من الكلمات التي لا تقبل الاندثار في نقل أدق تفاصيل الجراح الفلسطينية منذ أطوار النكبة المبكرة منذ ثلاثينيات القرن الماضي التي عايشها كنفاني طفلا ثم شابا يلاحقه الوطن  فيحضنه ويحمله الى العالم في كل تنقلاته ومحطاته الى أن تحول الى عنوان مزعج للكيان الغاصب الذي يسعى لوأد كل نفس مقاوم و تغيير الجغرافيا قبل تزييف التأريخ وتزويره.. تعود اليوم ذكرى اغتيال غسان كنفاني وابنة شقيقته لميس في عملية للموساد التي قامت بتفجير سيارته تاركة وثيقة تبنى الجريمة على عين المكان وقد دونت عليها عبارة “مع تحيات سفارة اسرائيل كوبنهاغن“.. كانت سلطات الاحتلال تعتقد أنها بذلك تتخلص نهائيا من صوت مزعج للجبهة الشعبية وللقضية الفلسطينية بدأ ينبش في خصوصيات العقلية الصهيونية النازية وأهدافها الاحتلالية العنصرية ويفضح أهدافها في اقتلاع أصحاب الارض من جذورهم وتوطين اليهود القادمين من مختلف أنحاء العالم بدلا منهم.. لم يندثر صوت كنفاني ولم يخفت.. غاب صاحبه جسدا وبقي صوتا وفكرا وثقافة فانتشرت كتاباته وأشعاره ومقالاته وانتشرت معها ثقافة المقاومة التي تسللت الى كل العقول والقلوب وحلت محل الدماء التي تسري في جسم كل فلسطيني..

لعلنا لا نبالغ إذا اعتبرنا أن أروع دروس كنفاني أنه الأقدرعلى الخروج بالانسان من دائرة اليأس والإحباط والدفع الى أن تكون الهزيمة انبعاث جديد نحو تجاوز الاخطاء والعثرات ورتق الجروح وإيقاف النزيف والانطلاق من جديد.. لم يعش كنفاني ليشهد على ما شهدته غزة من إبادة مستمرة بكل أنواع القنابل الحارقة والسلاح المحرم دوليا ولكن ما عاش على وقعه من تهجير وتجويع خلال النكبة جعله شاهدا على محرقة العصر بزعامة رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو مجرم الحرب نتنياهو وعصابته.. وقال كنفاني “إن ما يحدث الآن ليس المخاض ثمة شيء عظيم يولد بين ركام الهزيمة… فالجرح إذا انفتح في جسد حي زاد قابلياته للمقاومة وحرك القوة الكامنة في أعماقه وضاعف من طاقاته على الرد.”..

كان يرى أن الهزيمة قد تتحول إلى بداية جديدة متى بقيت الروح حيّة وأن الشعوب القادرة على النهوض تحمل في جراحها بذور المضاد الحيوي للكسور المادية والمعنية والنفسية..

واليوم وفي خضم ادعاءات كيان الاحتلال و الحليف الامريكي بالانتصار التأريخي في غزة يعلن كيان الاحتلال تخصيص موازنة تأريخية تصل إلى 730 مليون دولار لـ”الدبلوماسية العامة”، في محاولة لتجميل صورة اسرائيل بعد مسلسل الابادة الذي فضح حقيقية كيان الاحتلال وجيشه وقياداته التي بلغت درجة غير مسبوقة من التوحش.. وهذا المبلغ يعني تضاعف موازنة الاحتلال  خمس مرات مقارنة بالعام السابق لتصل إلى ثلاثة أرباع مليار دولار لدفع أجور المؤثرين وصناع المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لروايتها التي باتت مرفوضة لدى الرأي العام الدولي وفي مختلف المجتمعات الغربية  بين النخب في أكبر الجامعات والمؤسسات السياسية والبرلمانية وحتى الإعلامية التي باتت تشكك في الرواية الاسرائيلية وتسعى للبحث عن جذور الصراع و الحقائق التأريخية التي لا يريد لاحتلال لها أن تكون حاضرة في المنابر الاعلامية الدولية بعد أن أدركت أن اسرائيل ليست واحة للديموقراطية والحرية و أنها لا تتفوق على دول منطقة الشرق الاوسط الا بقوة السلاح الذي تعتمده لتدوس على القانون الدولي ..

واليوم نقول مجددا لم يخطئ غسان كنفاني ولا محمود درويش ولا سميح القاسم و لا إبراهيم طوقان ولا فدوى طوقان وعزالدين المناصرة وأحمد دحبور ولا أيضا شعراء غزة من الجيل الجديد وبينهم الشهيد رفعت العريري الذي كتب وصيته ووصية من سبقه من شعراء فلسطين عندما قال  “اذا كان لا بد أن تموت فعش أنت لتنقل حكايتي” عندما كتبوا للمقاومة وغنوا لها و اعتبروا أن البندقية خلقت لتكون على كل كتف  وأن المقاومة حق مشروع يتعين أن يكون كلمة السر التي يجتمع حولها كل الفرقاء على طريق الحرية و الكرامة و التي يجب أن تسبق وتكون دافعا  وسندا وحصنا لأية مفاوضات مع العدو و ليس بديلا لها، ألم يقل كنفاني “خُلقت أكتاف الرجال لحمل البنادق، فإمَّا عظماء فوق الأرض أوعظاما في جوفها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى