اراء

كأس العالم محطة للتقييم والبناء

عبد الرحمن رشيد..

على الرغم من أن منتخبنا الوطني لكرة القدم، خلال مشاركته الأخيرة في نهائيات كأس العالم المقامة حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، خسر مبارياته الثلاث أمام النرويج وفرنسا والسنغال، فإن وداع البطولة من الجولة الأولى ترك حسرة في نفوسنا. وكنا نأمل أن يمضي منتخبنا إلى الأدوار الأخرى، إلا أن علينا أن نكون أكثر واقعية ونتقبل ما حصل، في ظل وجوده في واحدة من أقوى المجموعات في نهائيات البطولة.

إن تواجد منتخبنا للمرة الثانية في كأس العالم يظل مُشرِّفاً، من دون أدنى شك، ويكفي أن علم العراق كان يرفرف عاليًا إلى جانب أعلام الدول المشاركة في النهائيات، في وقت لم يحالف الحظ منتخبات أوروبية متطورة، مثل إيطاليا، في التأهل. ونحن هنا لسنا بصدد التبرير، وأظن أننا، على الرغم من الخسارات، خرجنا بمكاسب أخرى غير مرئية، تكمن في أن لاعبينا سجلوا أسماءهم في قائمة لاعبي كأس العالم، وأصبحوا معروفين على المستوى الدولي. وقبل هذا وذاك، وعلى الرغم من كل الظروف المحيطة بالعراق، وهي أقل ما يقال عنها إنها صعبة، كان العراق حاضرًا بين الدول الكبيرة.

ومن العبر والدروس التي يجب أن نستفيد منها، أولاً، أن المدرب أرلوند خرج بتصوّرات وانطباعات أكثر واقعية عن اللاعبين، وقد قرأ جيدًا إمكانياتهم الفنية والبدنية، وبالتالي أصبح أمامه الوقت الكافي لاختيار نوعية اللاعبين، سواء من المغتربين أم المحليين، لإعدادهم لبطولتي كأس الخليج 27 وكأس آسيا 19. ونأمل أن يختار أعمارًا مناسبة للبطولتين، في ظل تقدّم أعمار بعض اللاعبين الموجودين حاليًا في صفوف المنتخب.

أما الأمر الآخر، وهو ذو فائدة كبيرة، فيتمثل في أن لاعبينا لعبوا أمام منتخبات قوية، وبالتالي تغلّبوا على عامل الخوف والرهبة. وكل ذلك، وغيره، يصب في مصلحة الكرة العراقية ومدربها أرنولد، الذي نأمل أن يبقى مع الفريق الوطني فترة طويلة، حتى نمنحه الوقت الكافي لصناعة منتخب عراقي متطور.

وعلى الجانب الآخر، من المؤكد أن اتحاد كرة القدم استفاد إداريًا من المشاركة في كأس العالم، من خلال الاحتكاك بالدول المتطوّرة في الجانب الإداري، وبالتالي ستكون لديه رؤية أكثر وضوحًا فيما يتعلق باختيار نوعية الإداريين.

إن المشاركة في كأس العالم تظل إنجازًاً بحدِّ ذاتها، وإن اختلف معنا البعض، وقد نتفق مع البعض الآخر في تفاصيل معينة، لكن تواجدنا في النهائيات خيرٌ من عدم التواجد، ويظل حضورًا مشرفاً للعراق. ونأمل من اتحاد كرة القدم أن يوعز إلى الأندية بضرورة ترسيخ مفهوم الاحتراف لدى لاعبي الفئات العمرية، بوصفه تأسيسًا صحيحًا، من خلال تعليم هذه الفئات والتأكيد على الالتزام بجميع مفاهيم الاحتراف، بغية صناعة جيل كروي متطور من جميع النواحي.

الجمهور، كما يقال، هو اللاعب الأساس وملح مباريات كرة القدم. وقد كان لجماهيرنا المغتربة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا حضور مشرف في مدرجات الملاعب، إذ كانت حاضرة بقوة، متنقلة من مكان إلى آخر لمتابعة منتخبنا الوطني، على الرغم من بُعد المسافات بين الولايات والمدن، لكن جمهورنا كان وفيًا ومخلصًا للعراق، ولم يتردّد في حضور المباريات ومتابعة المنتخب.

والشيء الجميل الذي شاهدناه أن أغلب العوائل العراقية المغتربة كانت حاضرة في المدرجات، تؤازر وتشجّع بحماسة حُبًّا بالعراق، ومن جميع أطياف وألوان المجتمع العراقي، في رسالة مُفادها أن الكرة تجمعنا وتوحّدنا، لأن العراق أولاً وأخيرًا. وتستحق جماهيرنا في الغربة كل الاحترام والتقدير لحضورها البهيّ والجميل، الذي أشعل المدرجات حبًّا بالمنتخب، وهي تحمل أعلام العراق ترفرف فوق المدرجات، مع الأهازيج والأناشيد العراقية الحماسية التي ألهبت المدرجات وأشعلت الروح الاندفاعية في نفوس لاعبينا.

المطلوب الآن طيُّ صفحة مشاركة منتخبنا الوطني في كأس العالم، والتركيز على الاستحقاقات المقبلة، وترك الانتقادات جانبًا، ومنح المدرب فرصة العمل بهدوء ومن دون ضغوط، حتى يتمكّن من اختيار نوعية اللاعبين، والتركيز على الجانبين الفني والبدني، في ظلّ مساحة الوقت المتبقية، وهي مدة مهمة يستطيع من خلالها تلافي جميع الأخطاء التي حصلت خلال مباريات كأس العالم.

ولا بدَّ أن نذكر أن منتخبنا الوطني ليس الوحيد الذي غادر البطولة، فهناك منتخبات ربّما تفوقه مستوىً خرجت أيضًا من الدور الأول.

نأمل من الجميع أن يعي أن هذه هي إمكانيات منتخبنا الوطني، ولا يمكن أن نحمّله أكثر من طاقته. وأخيرًا، وليس آخرًا، علينا أن نوحّد الكلمة من أجل مسيرة منتخبنا الوطني المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى