اراء

الحرب التي بدأت وانتهت بدون أهداف

بقلم: محمد بن علي..


لنُسمِّ الأشياء بمسمياتها، ولنجعل الكلمة في موضعها الحق، ولنعرب الأفعال إعرابًا يكشف المعنى بلا التباس؛ ثم نقف أمام سؤالٍ يدمي القلوب ولا يمكن تجاوزه: من الذي استفاد حقًا من هذه الحرب التي قادتها أمريكا وإسرائيل ومن تحالف معهما؟ من الذي نفخ في نار التصعيد، أو وفّر له الغطاء السياسي، أو مدّها بالدعم المباشر وغير المباشر، بينما امتدت شظايا هذا الوجع لتطال دول مجلس التعاون الخليجي في أمنها، واستقرارها، وقوت يومها، وطمأنينة شعوبها؟
إن ما جرى لا يمكن اختزاله في كونه حدثًا سياسيًا عابرًا، بل هو امتدادٌ لمشهدٍ إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه المصالح والتحالفات، وتثبت الوقائع فيه المرة تلو الأخرى أن الحروب جراحٌ لا تبقى محصورة داخل جغرافيتها، بل تتسع دوائرها لتلتهم الجوار، ثم تمتد آثارها لتهز النظام الدولي بأكمله.
وفي زحمة التحليلات السياسية الباردة والأرقام الجافة التي تفتقر إلى الروح، تضيع أحيانًا الحقيقة الأشد قسوة وإيلامًا: حقيقة الإنسان. في هذه الحرب، لم تكن الخسارة مجرد منشآت تُدمَّر أو خرائط تتغير، بل كانت أرواحًا غالية تُنتزع من بين أهلها فجأة، وشهداء سقطوا من مختلف الأطراف؛ شبابًا في مقتبل العمر، وأطفال مدارس رحلوا بحقائبهم الصغيرة، وأبرياء، وأسرًا كاملة وجدت نفسها بلا ذنب في قلب نارٍ مستعرة لم تخترها. هناك من غادر الحياة تحت الركام في عتمة الليل، وهناك من رحل في غمرة قصف غادر، وهناك من بقي حيًا بجسده لكنه مثقلٌ بذاكرة الفقد، يعيش بما تبقى له من أنين وألم.
وما بين ضفتي الصراع، لم تكن الدماء الطاهرة تعرف حدود السياسة ولا شعاراتها الزائفة، بل سالت على أرضٍ واحدة جمعت المتناقضين في مصيرٍ واحد مأساوي. مدنٌ بأكملها اهتزت وارتجفت تحت وقع الضربات، وبنى تحتية تهاوت كأنها لم تغْنَ بالأمس؛ مستشفيات عجزت عن مداواة الجراح، وطرق انقطعت بها السبل، ومنازل دافئة تحولت في لحظة إلى ركام، وكأن الزمن عاد بساكنيها إلى نقطة الصفر والعدم. لم يعد الدمار مجرد صورة باهتة على شاشة، بل واقعًا مريرًا يعيشه الناس في أدق تفاصيل يومهم؛ في شربة الماء، وفي غياب الكهرباء، وفي البحث عن الدواء، وفي حسرة الطمأنينة المفقودة. وفي قلب هذا المشهد الحزين، تتجلى الحقيقة الأعمق التي لا تصنعها البيانات ولا التصريحات الرسمية: أن الإنسان هو أول الضحايا الذين ينزفون، وآخر من يُذكر اسمه في حسابات الحرب.
لقد دفعت المنطقة ثمنًا ثقيلًا غُمس بالقلق والخوف، تمثّل في اضطراب الأسواق، وارتفاع منسوب التوجس الاستثماري، وتراجع مؤشرات الاستقرار في أكثر من قطاع. ولم تكن دول مجلس التعاون الخليجي بمنأى عن هذه التداعيات، بحكم الترابط العضوي والعميق بين أمنها الاقتصادي وحركة الإقليم واستقراره، ما جعلها جزءًا من دائرة التأثر المباشر وغير المباشر، تتقاسم مع محيطها الهم والقلق.
أما البيئة، فهي الضحية الصامتة التي تبكي بلا صوت، ولا تجد لها مكانًا في ضجيج السياسة وصخب السلاح؛ فالحروب لا تترك وراءها فقط دمارًا ماديًا، بل تُحدث جرحًا غائرًا واختلالًا طويل الأمد في التوازن البيئي: تلوثًا يفسد الهواء، وتهديدًا يخنق مصادر المياه، وآثارًا تمتد لسنوات وربما لعقود قبل أن تبدأ بالانحسار. وقد طال الضرر بالفعل مضيق هرمز، ذلك الشريان النابض، حيث شهدت مياهه تلوثًا بحريًا واسعًا، ونفوقًا محزنًا للأسماك، وتضررًا في الشعاب المرجانية التي تزيّن أعماقه، إضافة إلى الآثار البيئية السيئة الناتجة عن اضطراب حركة الملاحة وتفريغ بعض السفن حمولاتها في مياه المضيق أثناء إغلاقه، ما زاد من هشاشة النظام البيئي البحري في المنطقة وعقّد تداعياته.
وفي النهاية، لا تقف الحروب عند حدود الجغرافيا ولا عند لحظة صمت المدافع وتوقف إطلاق النار، بل تمتد آثارها الثقيلة لتعيش في الذاكرة، ووجدان الإنسان، وتفاصيل الطبيعة معًا، وكأنها تكتب بحبر من دموع تاريخًا من الألم المشترك الذي لا يفرّق بين طرفٍ وآخر.
وفي وسط هذا الإعصار العاتي الذي يضرب المنطقة، برزت الدبلوماسية الخليجية كمنارة تعقل وصمام أمان، واقترن موقفها بالحكمة والاتزان في زمن عزّ فيه التوازن. لم تنجرف خلف طبول الحرب ولم تستسلم للغة التصعيد، بل ظلت تمد جسور الحوار، متمسكة بخيار السلام كطريق وحيد وناجع لحقن الدماء وحماية الأوطان. إن هذا الثبات العقلاني والدعوات المستمرة لخفض التصعيد لم تكن مجرد مواقف سياسية عابرة، بل كانت تعبيراً أصيلاً عن رؤية عميقة تدرك أن استقرار المنطقة هو كلٌّ لا يتجزأ، وأن بناء السلام يحتاج إلى شجاعة تفوق شجاعة خوض الحروب.
إن هذه الدماء التي سالت والدمار الذي خلفته الحرب يضعاننا جميعاً أمام مسؤولية كبرى تجاه أجيالنا القادمة، أولئك الأطفال الذين يرسمون اليوم أحلامهم من بين الشقوق والركام. إننا مدينون لجيل المستقبل بأن نورثهم أرضاً تسودها الطمأنينة لا الأحقاد، وأن نغرس في وجدانهم قيم السلام والتعايش بدل صراعات استنزفت الماضي والحاضر. هذا النداء الممتد إلى الغد هو عهدٌ نكتبه بأقلامنا ومواقفنا، كي لا يصحو أبناؤنا يوماً ليجدوا أنفسهم ضحايا لقرارات لم يشاركونا في صنعها، وحروبٍ تحرق مستقبلهم قبل أن يبدأ.
ويبقى السؤال الأهم والأنبل حاضرًا بإلحاح يطرق الضمائر: أَلَم يكن الأجدر أن يُصغى بمسؤولية إلى أصوات الحكمة والعقل التي طالبت بالتهدئة وحقن الدماء وتجنّب التصعيد، بدل الانزلاق إلى مسارٍ مظلم مفتوح على كل الاحتمالات الكارثية؟
إن التاريخ لا يُسجّل من أشعل الحروب وفتح أبواب الجحيم فقط، بل يُسجّل أيضًا وبمرارة من امتلك القدرة على إيقافها ومد يد السلام ولم يفعل، ومن تجاهل أن كلفة القرار قد لا تُدفع في لحظتها، بل تُدفع كاملة من أرواح البشر ومستقبل الأجيال بعد أن يصبح الأوان قد فات، ولا ينفع حينها الندم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى