من الشقيف إلى “المنطقة الأمنية”.. تحوّل العقيدة العسكرية للعدو الإسرائيلي في جنوب لبنان

العميد محمد الحسيني..
لا يمكن النظر إلى تفجير شبكة الأنفاق في مرتفعات الشقيف بوصفه عملية عسكرية معزولة أو ردًا مباشرًا على حادثة أمنية محدودة. فالعملية، بحجم القوة المستخدمة فيها، وبالرسائل السياسية والعسكرية التي رافقتها، تكشف عن تحول في مقاربة العدو الإسرائيلي لجنوب لبنان، قوامه الانتقال من استهداف القدرات العسكرية إلى إعادة صياغة البيئة الأمنية والجغرافية التي تعمل ضمنها. ومن هذا المنطلق، لا تبدو الشقيف مجرد ساحة مواجهة، بل محطة تؤشر إلى مرحلة جديدة تسعى فيها إسرائيل إلى فرض واقع أمني يجعل وجودها العسكري وحقها في التدخل جزءًا ثابتًا من معادلة الجنوب.
وتزداد دلالة العملية لأنها اقترنت ببيان مشترك لرئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس، تزامن مع بيان صادر عن جيش الاحتلال الإسرائيلي. ولم تقتصر هذه البيانات على الإعلان عن تدمير شبكة أنفاق، بل قدمت تصورًا متكاملًا لإدارة الجنوب خلال المرحلة المقبلة، بما يجعلها أقرب إلى إعلان عن توجه استراتيجي جديد منها إلى مجرد مواكبة لعملية ميدانية.
وتقوم هذه المقاربة على أربعة مرتكزات رئيسة، يتمثل المرتكز الأول في تثبيت الوجود العسكري داخل ما تسميه إسرائيل «المنطقة الأمنية». فهذا المفهوم لا يقتصر على توصيف جغرافي، بل يعكس محاولة لإعادة تعريف طبيعة الوجود العسكري نفسه. فبدل أن يكون إجراءً مؤقتًا مرتبطًا بظروف محددة، يتحول إلى واقع مفتوح زمنيًا يخضع للتقدير الإسرائيلي، بما يمنح تل أبيب حرية تحديد نطاقه وحدود الانسحاب منه.
أما المرتكز الثاني، فيتمثل في توسيع مفهوم «البنية التحتية العسكرية». فلم يعد هذا المفهوم محصورًا بالمواقع القتالية أو مخازن السلاح، بل امتد ليشمل الأنفاق والطرق والمباني والأراضي الزراعية والبيئة العمرانية المحيطة. وبذلك تتحول عمليات التدمير من وسيلة لإزالة أهداف عسكرية إلى أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا نفسها، بما يجعل استعادة الحياة الطبيعية في المناطق المستهدفة أكثر تعقيدًا.
ويقوم المرتكز الثالث على تكريس مبدأ «حرية الحركة العسكرية»، أي احتفاظ جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق الدخول إلى أية منطقة جنوبية متى رأى ذلك ضروريًا، بذريعة التحقق من خلوها من السلاح أو المنشآت المرتبطة به. وهذا يرسخ نمطًا من السيطرة لا يقوم على احتلال تقليدي ثابت، بل على قدرة دائمة على التدخل، بما يجعل القرار الأمني الإسرائيلي متقدمًا عمليًا على سيادة الدولة اللبنانية.
أما المرتكز الرابع، فيرتبط بطبيعة العملية نفسها. فقد أقر نتنياهو وكاتس بأن خطة التفجير كانت معدة مسبقًا، وأن تنفيذها أُرجئ بسبب ظروف التهدئة. ويكشف ذلك أن العملية لم تكن ردًا آنيًا على حادثة محددة، بل تنفيذًا لخطة جاهزة اختير توقيتها وفق حسابات سياسية وعملياتية، ما يعكس اعتماد المؤسسة الإسرائيلية على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
وانطلاقًا من هذه المرتكزات، تبدو الشقيف بداية مسار لا نهايته. فالقصف الذي استهدف مرتفعات علي الطاهر، والاعتداءات على دير سريان ومحيط المنصوري ومجدل زون وطلوسة، لا تمثل أحداثًا منفصلة، بل حلقات ضمن نمط عملياتي متدرج يبدأ بالمراقبة والاستطلاع، ثم بالعزل الناري، فبناء المبررات الأمنية، وصولًا إلى التدمير وفرض وقائع ميدانية جديدة. وبهذا المعنى، لا تدير إسرائيل مواجهة عسكرية تقليدية فقط، بل تعمل على إعادة تشكيل الواقع الأمني في الجنوب بصورة تراكمية.
ولا تقتصر تداعيات هذا التحول على الميدان، بل تمتد مباشرة إلى طاولة التفاوض. حيث ينعكس على المسار السياسي. فالمفاوضات التي تستضيفها روما لا تدخلها إسرائيل من موقع الباحث عن تسوية، بل بعدما تسعى إلى تعديل موضوع التفاوض نفسه. فبدل أن يتركز النقاش على الانسحاب وتنفيذ وقف إطلاق النار، تعمل على نقل الأولوية إلى نزع السلاح، وتثبيت «المنطقة الأمنية»، وضمان استمرار حرية تدخلها العسكري. وهكذا تصبح المفاوضات وسيلة لتكريس الوقائع التي فرضتها القوة على الأرض.
ويكشف هذا المسار عن تحول أوسع في الفكر الأمني للعدو الإسرائيلي. فبعد عقود من التركيز على الردع والإنذار المبكر والحسم العسكري، تتجه المقاربة الإسرائيلية نحو منع نشوء التهديد عبر التحكم بالحيز الجغرافي الذي يمكن أن يتشكل داخله. ولم يعد الهدف فقط تدمير القدرات العسكرية القائمة، بل التأثير في البيئة التي تسمح بإعادة إنتاجها مستقبلًا.
إن ما يجري في الشقيف يعكس انتقالًا أعمق في التفكير الأمني الإسرائيلي: من محاولة ردع الخصم بعد امتلاكه القدرة، إلى محاولة التحكم بالبيئة التي تسمح بتكوين هذه القدرة أصلًا. ووفق هذه الرؤية، لا يُقاس الأمن فقط بقدرة إسرائيل على حماية حدودها، بل بقدرتها على إعادة تعريف المجال المحيط بها بما يخدم أهدافها الاستراتيجية.
لذلك، فإن «المنطقة الأمنية» لا تمثل مجرد ترتيب عسكري مؤقت، بل تعبيرًا عن تصور أوسع لدور القوة والجغرافيا في العقيدة الإسرائيلية. فالمسألة لم تعد فقط من يسيطر على موقع عسكري أو منطقة جغرافية، بل من يمتلك القدرة على فرض تعريفه للأمن وتحويله إلى قاعدة سياسية دائمة.



