إسبانيا قالت “لا”.. فمن يملك قرار السيادة في العالم العربي؟

د. معن علي المقابلة..
السيادة في السياسة لا تُقاس بعدد القواعد العسكرية الأجنبية على أراضي الدول، وإنما بقدرتها على أن تقول “لا” عندما يتعارض الطلب مع قرارها الوطني. وهذا بالضبط ما فعلته إسبانيا.
فمدريد لم تكتفِ بإدانة العدوان الأمريكي على إيران، بل اتخذت قرارين سياديين واضحين: رفض استخدام القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضيها في العمليات ضد إيران، ورفض استخدام مجالها الجوي لعبور الطائرات الأمريكية المشاركة في تلك العمليات.
لم تترك مجالاً للتأويل أو الغموض، بل أعلنت أن الأراضي الإسبانية لن تكون جزءاً من حرب لا ترى أنها تتفق مع القانون الدولي. إن أهمية هذا الموقف لا تكمن في أنه صدر عن دولة أوروبية فحسب، بل لأنه صدر عن دولة عضو في حلف الناتو، تستضيف قواعد أمريكية وتربطها بواشنطن علاقات استراتيجية عميقة.
ومع ذلك، لم تعتبر أن التحالف يعني التخلي عن حقها في اتخاذ قرارها السيادي، ولم تقبل أن تتحول تلك القواعد إلى التزام مفتوح بتنفيذ أي قرار عسكري أمريكي. هنا يظهر الفارق بين مفهوم التحالف ومفهوم التبعية. فالحليف يحتفظ بحقه في القبول والرفض، أما التابع فلا يملك إلا التنفيذ. في المقابل، لم تصدر عن عدد من الدول الخليجية، وكذلك الأردن، مواقف رسمية معلنة وواضحة تؤكد رفض استخدام أراضيها أو قواعدها أو أي وجود عسكري أمريكي فيها في أية عمليات عسكرية ضد إيران. وقد أبقى هذا الغياب للموقف الرسمي الباب مفتوحاً أمام التساؤلات والتأويلات، في حين اختارت إسبانيا الوضوح الكامل، مهما كانت كلفته السياسية.
لكن الأكثر دلالة لم يكن الموقف الإسباني، بل رد الفعل الأمريكي عليه. فالولايات المتحدة، التي تقدم نفسها باعتبارها راعية للنظام الدولي القائم على احترام سيادة الدول وحرية القرار، لم تتعامل مع رفض مدريد بوصفه ممارسة مشروعة لحق سيادي، بل صدرت عنها مواقف وتصريحات حملت نبرة التهديد والضغط، سواء عبر التلويح بعواقب اقتصادية أو من خلال تصعيد سياسي وإعلامي ضد الحكومة الإسبانية.
وهنا تتجلى واحدة من أبرز مفارقات السياسة الأمريكية، فهي تطالب العالم باحترام سيادة الدول عندما يخدم ذلك مصالحها، لكنها تنزعج عندما يستخدم حلفاؤها هذا الحق لاتخاذ قرار لا ينسجم مع الرغبة الأمريكية. وهذه ليست ظاهرة جديدة، بل نمط متكرر في السياسة الأمريكية منذ عقود. فمن العراق إلى ليبيا، ومن أفغانستان إلى غزة، كثيراً ما رُفع شعار القانون الدولي عندما كان يخدم الأجندة الأمريكية، بينما جرى تجاوزه أو إعادة تفسيره عندما أصبح عائقاً أمام تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية.
ولعل ما يثير الانتباه أن الخلاف مع مدريد أعاد إلى الواجهة ملفات حساسة تمس المصالح الإسبانية، وفي مقدمتها قضية سبتة ومليلية. وبغض النظر عن طبيعة هذا الربط، فإن مجرد استحضار هذه الملفات في سياق الخلاف يعكس كيف تتحول القضايا السيادية أحياناً إلى أدوات ضغط عندما يخرج أحد الحلفاء عن الخط السياسي الذي تريده واشنطن. إن القضية ليست دفاعاً عن إيران، ولا انحيازاً إلى سياساتها، وإنما دفاع عن مبدأ أكثر أهمية: حق الدول في أن تقرر بنفسها، دون إملاءات أو ضغوط أو عقوبات، ما إذا كانت ستشارك في حرب أم لا. لقد أثبتت إسبانيا أن وجود قواعد أمريكية على أراضيها لا يعني التنازل عن سيادتها، وأن عضويتها في الناتو لا تعني التخلي عن استقلال قرارها السياسي. وهذا درس يستحق التأمل في منطقة اعتادت أن يُنظر إلى وجود القواعد الأجنبية فيها باعتباره أمراً يعلو على النقاش العام، أو خارج إطار المساءلة السياسية. لقد قالت مدريد “لا”، ولم تنهَر تحالفاتها، ولم تخرج من الناتو، ولم تتخلَّ عن موقعها في الغرب.
كل ما فعلته أنها مارست حقاً طبيعياً لأية دولة ذات سيادة. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على منطقتنا: هل أصبحت كلمة “لا” امتيازاً أوروبياً، بينما يُطلب من بعض دول الشرق الأوسط أن تكتفي بالصمت أو بتبرير ما لا تجرؤ على إعلانه؟ ذلك هو جوهر المسألة. فالدول لا تُقاس بما تملكه من قواعد عسكرية أو بما تعقده من تحالفات، وإنما بقدرتها على حماية قرارها الوطني عندما تتعارض مصالحها مع إرادة القوى الكبرى. وإسبانيا، في هذه اللحظة، قدمت نموذجاً يؤكد أن السيادة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل موقفاً يُختبر عندما تكون كلفة الرفض مرتفعة.



