اخر الأخبارثقافية

صبيح عفوان مبدع يحول طين مدينة الصدر إلى منجز جمالي بأبعاد سومرية

المراقب العراقي/ ماجد حميد..

“اللاشعور هو المعمل السري الذي يحول الأوجاع اليومية إلى أثر فني خالد”.

ارتبطت الحركات الإبداعية الكبرى عبر التأريخ بجغرافياتها الأولى؛ فالأمكنة في الوعي الثقافي ليست مجرد جدران أو حيّزاً مكانياً صامتاً، بل هي خزان اللاشعور الجمعي ومولد الأساطير. وفي المشهد الثقافي العراقي المعاصر، برز الناقد والفنان صبيح عفوان بوصفه واحداً من أبرز من التقطوا هذه المعادلة المعقدة، محولاً طين مدينة الصدر “الثورة” – بكل ما يحمله من مآسٍ، وحصار، وحرمان – إلى منجز جمالي ذي أبعاد سومرية غائرة في القدم والمعاصرة معاً.

ويرى الكاتب ماجد حميد في قراءة نقدية، ان “تجربة عفوان تنتمي إلى الحقبة الذهبية للمدينة (بين السبعينيات والتسعينيات)؛ وهي الحقبة التي شكلت الحاضنة الأولى لوعيه الحاد. هناك، أسس مع جيل فريد من المبدعين (أمثال: سعد محمود، صلاح حسن، كريم جثير، وعبد رامبو) حراكاً مسرحياً وفكرياً استثنائياً، واجه شح الدعم المادي بالاتكاء على الموقف الإنساني الصلب والالتزام المعرفي”.

وأضَاف: ان “المنهج النقدي لصبيح عفوان يتخذ من التحليل النفسي البنيوي، ركيزة أساسية لفك شفرات النصوص والعروض الفنية، بالنسبة له، فإن النص أو اللوحة لا يقدمان الواقع تقديماً فوتوغرافياً مسطحاً، بل يعبران عن “لا شعور” جمعي محمل بآثار الحروب، وانكسارات الحصار، ومكابدات العيش.

وتابع: “في قراءاته التطبيقية المتميزة – كما في تفكيكه لمسرحية “أمكنة إسماعيل” ومسرحية “C4 گلاوذا” للمخرج إبراهيم حنون – يغوص عفوان في “أحلام اليقظة” و”العصاب النفسي” للشخصيات، رابطاً انكسارها السيكولوجي بالواقع السوسيولوجي القاسي، إنه يرى أن المبدع الحقيقي هو مَن يعيد تصعيد المكبوت اليومي وتحويله إلى “لغة رمزية مقنعة” تولد لذة جمالية ومعرفية”.

وواصل: “ولم يقتصر اشتغاله النقدي على خشبة المسرح، بل امتد برؤية ثرية ومدهشة إلى التجارب التشكيلية (مثل تجارب: ضياء الخزاعي، كامل حسين، وهادي ماهود، وآخرين). فقد واكب مدارس النقد الحديثة بفطنة ودراية تامة، مقدمًا قراءات تضيء المساحات المعتمة في نتاجات مجايليه ومَن سبقهم”.

وأكمل: “لم يكن الشغف بالوعي والنظرية المعرفية معزولاً لدى عفوان عن حيوية الجسد وديناميكيته؛ فقد مثل بنجاح نادي “الطيران” (القوة الجوية) لأربعة مواسم كروية إلى جانب نجوم الكرة العراقية (أمثال: صباح عبد الرزاق، وعباس زغير) وإثر إصابة بليغة بتمزق العضلة الرباعية أنهت مسيرته كلاعب، لم يستسلم، بل توجه نحو التدريب ليزدهر اسماً قيادياً بارزاً أشرف على أندية: (الحسين، العدالة، الصليخ، وطيران الجيش). وهناك، تجلى وعي “المثقف المفكر” لديه بابتكار 1200 تمرين رياضي تهدف إلى تطوير اللاعبين ذهنياً وتكتيكياً، وهو إنجاز علمي نال عليه شهادة السلامة العلمية، ورُشح على إثره لتمثيل العراق في الاتحاد الآسيوي بماليزيا”.

وأشار الى ان “صبيح عفوان وجيله واجه تضييقاً أمنياً صارماً، وحظراً غير معلن من اعتلاء المنصات الرسمية الكبرى من قِبل الأجهزة الحزبية والأمنية للنظام السابق، التي كانت تنظر بريبة وشك لأي تكتل ثقافي مستقل. وأمام هذا الإقصاء الممنهج، تحولت المقاهي الشعبية في قطاعات مدينة الثورة (كمقهى شارع الشركة) إلى البديل الثقافي الأبرز؛ حيث كان عفوان يشد الجميع بلباقته الفائقة، وعمقه الثقافي، ومظهره الرياضي ووسامته اللافتة”.

وأردف: “لم تنفصل طروحاته النظرية يوماً عن سلوكه الإنساني اليومي؛ فكان يجسد مفهوم “المثقف العضوي” لـ(أنطونيو غرامشي) بأبهى صوره. كان يواظب على زيارة أصدقائه الفنانين والأدباء الموقوفين في مراكز الشرطة (كالحبيبية ومكافحة الرافدين) لدعمهم وتحولت غرفته الصغيرة في مقدمة بيته إلى منتدى فكري سري وملاذ آمن للمطاردين سياسياً؛ فآوت الشاعر الراحل كريم محمد لازم، وشهدت الخطوات الأخيرة للشهيد محمد زهراوي قبل غيابه الأبدي”.

ومضى الى القول: “وفي خلفية هذا المشهد النضالي، كانت والدته الطيبة – التي تختصر روح الجنوب وعنفوانه – سنداً حقيقياً يحضر الطعام للمثقفين والمطاردين دون ملل، حتى دفعوا ضريبة هذا الموقف الإنساني غالية، حين تعرضت العائلة للطرد ومصادرة البيت عام 1993 بسبب الملاحقات السياسية له”.

وختم: إن “صبيح عفوان يمثل أطروحة حية للمثقف الذي لم ينعزل في برج عاجي، بل ظل وفياً لطين مدينته، ممسكاً بإزميله النقدي لينحت من الألم والأوجاع جمالاً يشبه نقاء روحه ومواقفه، إنه النموذج الذي يثبت دائماً، أن الإبداع الحقيقي لا يموت، وأن النقد ليس مجرد ترف نظري، بل هو أداة للمقاومة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى