اراء

أحمد الياباني.. مسيرة مناضل أممي لم يجد وطناً عربياً يؤويه

بقلم: اسيا العتروس..

“لقد كرست شبابي للقضية الفلسطينية ومادام هناك اضطهاد فلن تكون المقاومة حقا فحسب بل هي واجب”، كلمات اختزلت ثقافة المقاومة العابرة للأجيال والحدود والثقافات عندما يتعلق الأمر بالحق المشروع للشعوب في الحرية والكرامة، كلمات مرَّ عليها نحو نصف قرن ولكن مجرد إعادة نشرها على المواقع الاجتماعية جعل النائبة في البرلمان الاوروبي ريما حسن تُلاحق وتُحاكم بتهمة تمجيد الإرهاب.

سيقول البعض، إن أحمد الياباني الذي نعتته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نهاية الاسبوع الماضي في بيروت، هو نسخة يابانية من تشي جيفارا ولكن مع اختلاف مهم، أن لا أمريكا ولا اليابان تمكنت من القبض عليه أو قتله.

وحده التأريخ كفيل برصد مسيرة أحمد الياباني ليفيه حقه ولو بعد مرور سنوات، فمثلة لا يمكن أن يسقط من سجلات التأريخ مهما دفع كيان الاحتلال الى ذلك.. وربما يأتي زمن تعيد اليابان موقفها من أحمد الياباني وتقيم له تمثالا يخلد ذكراه أو جعل له فيلم وثائقي عن فلسفة الثقافة النضالية والتضامن الذي لا يخضع للهوية ولا للجغرافيا ولا يعترف بأي حدود عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة في وجه الغطرسة والتوحش.. أحمد الياباني هو أول وآخر لاجئ سياسي في لبنان، وهو مناضل أممي عابر للقارات آمن بالقضية واعتنقها ووهب حياته لها كما لو أنه لم يعرف غير ترابها وطنا ورايتها رمزا.. هو بطل عند الفلسطينيين وأغلب العرب وإرهابي في إسرائيل وأمريكا وأغلب حلفاء كيان الارهاب الاسرائيلي الذي ينسى الكثيرون أنه كيان غاصب وظالم نعتته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، معتبرة أنه الرفيق والمناضل الثوري الأممي وكان في وداعه رفيقه المناضل جورج عبد الله قضى أربعين عاما في السجون الفرنسية بسبب دعمه القضية الفلسطينية، أحمد الياباني هو آخر أعضاء المجموعة اليابانية المتبقية التي نفذت عملية مطار اللد في 1972 الذي أصبح مطار بن غوريون فيما بعد وأدت الى مقتل واصابة العشرات.. من الجيش الاحمر الياباني الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطيني امتدت مسيرة أحمد الياباني كوزو أوكاماتو Kozzo Okamato بمحطاتها الكثيرة من اليابان الى السجن الانفرادي في كيان الاحتلال الى ليبيا وسوريا ولبنان حيث استقر به المقام الى أن غادر عالمنا قبل يومين ليسدل الستار بذلك على مسيرة نضالية أسطورية لا تعرف أجيال كثيرة تفاصيلها لأنها أسطورة لم يكتب لها أن تروى وتوثق لتشهد على حق الشعوب في النضال من أجل التحرر.. أوكاموتو عالم النبات الذي تحول الى البندقية وجعل من النضال لأجل فلسطين مسؤولية انسانية واخلاقية وتأريخية لا تتوقف.. طالب بعد ايقافه بعد عملية اللد أن يصدر بحقه حكم بالإعدام.. وعدّه الاسرائيليون في حال تجاوب مع التحقيقات منحه سلاحا لإنهاء حياته لكنهم خدعوه.. كان يعتقد أن من يموت يتحول الى نجم من نجوم السماء.. 

وانضم أحمد الياباني في 1966 إلى الجيش الأحمر الياباني، منظمة يسارية كانت تأمل في اسقاط الامبراطور وتحقيق ثورة شعبية.. ثم التحق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة وديع حداد وجورج حبش وغسان كنفاني تدرب معها ومنها منح الاسم الحركي “أحمد”، ليصبح أحد أبرز الوجوه الأجنبية المرتبطة بالقضية الفلسطينية… قاد عملية اللد مع اثنين من رفاقه من الجيش الياباني قتلوا خلال العملية.. بعد الإفراج عنه تنقل بين ليبيا وسوريا ولبنان حيث اعتقل ثم منح اللجوء السياسي واستقر هناك حتى آخر أيامه.. بعد خروجه من سجون الاحتلال استغرب كيف أنه لم يجد بلداً عربياً مستعداً لاستقباله سنة 1997، فقد أوقفته السلطات اللبنانية مع أربعة من أعضاء الجيش الأحمر الياباني بتهمة استخدام وثائق مزورة، وحُكم عليهم بالسجن وبعد انتهاء العقوبة، تم ترحيل رفاقه إلى اليابان، بينما منحت الحكومة اللبنانية أوكاموتو اللجوء السياسي تحت ضغط الجبهة ومنظمات حقوقية وقفت الى جانبه، معتبرة أنه قد يتعرّض للاضطهاد إذا أُعيد إلى بلاده.. لكن في المقابل فرض عليه أن يلتزم بعدم الظهور الاعلامي وعدم المشاركة في أي نشاط أو عمل سياسي.. وعاش في بيروت تحت رعاية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بعيداً عن النشاط الإعلامي والسياسي، حتى وفاته.

بقي مطلوباً حتى وفاته وأثار الجدل خلال مواكبته إحياء لذكرى الخمسين لعملية اللد في مخيم شاتيلا.. سبق للولايات المتحدة أن رصدت مكافأة بخمسة ملايين دولار لمن يقدم معلومات بشأنه.. فقد سجلت عملية اللد مقتل 26 شخصاً، بينهم كندي وثمانية إسرائيليين و17 من بورتوريكو يحملون الجنسية الأمريكية، إضافة إلى إصابة عشرات آخرين، في واحدة من أبرز العمليات التي شهدها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي آنذاك.

ربما سيتعين على الجميع بعد هذا الفصل السابق لطوفان الاقصى بنصف القرن التفكير جديا بدور المقاومة المسلحة وبمالات ما فرضت على الساحة الدولية وكيف تم التفريط في وحدة صف المقاومة ومعها سلاح الانتفاضة الذي كسر أنف الاحتلال ودفع العالم أغلب دول العالم الى الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.. أخيرا وليس آخرا وجب التذكير بما قال عنه شاعر تونس المختار اللغماني:

“أوكاموتو

أحبّك يا أوكاموتو

أحبّك يا أخي الإنسان

ولست أخي في الدين

ولست بقارئ القرآن

ولست من “خير أمة قد أخرجت للناس”

سقطت كلّ التيجان

مات أبطال الرّوم

ومات أبطال اليونان

مات جميع الأبطال..

ومازال الإنسان

أوكاموتو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى