“الممر العشبي” مشروع سردي يربط المحلي بالعالمي والشخصي بالأسطوري

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..
يرى الناقد طالب كريم أن ” الممر العشبي “ للكاتب القاص غالب المُطَّلبي ليس مجموعة قصصية تقليدية، بل مشروع سردي يربط المحلي بالعالمي، والشخصي بالاسطوري ، والجدّي بالكوميدي. يمنحك الكاتب مفاتيح من كبار الشعراء والمفكرين.
وقال كريم في قراءة نقدية :”عن سلسلة ” سرد ” التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار: صدرت حديثاً للكاتب القاص غالب المطلبي مجموعته القصصية الجديدة الموسومة” الممر العشبي ” جاءت المجموعة لتضيف لبنة أخرى إلى مشروعه السردي الممتد حيث تضم تسع قصص طويلة نسبياً، يغلب عليها نفس طويل وتأمل عميق، وختمها الكاتب بمسرحية كوميدية من فصل واحد، كأنه أراد أن يخفف وطأة الاسئلة الكبيرة بضحكة النهاية”.
وأضاف :”منذ الصفحة الأولى يعلن المطلبي انتماءه ليس لجغرافيا واحدة، فقصص المجموعة تنفتح على الزمان والمكان والعوالم العالمية، الاسماء تنتقل، والمرجعيات تتعدد ، والهواجس إنسانية قبل أن تكون محلية، لكن اللافت حقاً هو ” العتبات ” التي اختارها الكاتب لكل قصة ، لم يكتفِ بعنوان ونص، بل قدّم كل قصة بمقولة أو مقطع شعري لأدباء ومفكرين وشعراء كبار، وكأنه يقيم حواراً بين نصه وذاكرة الأدب العالمي قبل أن يبدأ “.
وتابع :”في قصة ” الممر العشبي ” التي حملت المجموعة عنوانها، استهلها بمقولة لجلال الدين الرومي. وفي ” مكتبة الكوفة ” قدمها بمقطع لبابا طاهر الهمداني، وأهداها إلى الأديب الراحل * موسى كريدي * ، في إشارة وفاء لجيل ترك أثره. أما ” شبح أرسطو ” فقد سبقها باعتذار وتنبيه : ” شخصيات هذه القصة وأحداثها من نسيج الخيال، وإذا صادف أن وجد القارئ شيئاً يتطابق مع الأحداث فإن ذلك محض مصادفة ” . ويضيف الكاتب لاحقاً : ” يجد أنها وقعت على الرغم من احترازه الشديد ويعتذر ” . ” قصة الفنان بعد موته ” قدم لها بمقطع شعري للراحل, *محمد شمسي * ، وتدور أحداثها حول مواقف مشتركة عاشها الكاتب مع قريبه ورفيق دربه الراحل، فتحولت الذاكرة الشخصية إلى نص سردي”.
وأوضح أن” قصة ” الزورق ” استفتحها بمقاطع للشاعر الفرنسي * رامبو * ، وتدور أحداثها في الأهوار القريبة من مسقط رأس الكاتب، في عودة إلى الجذر والماء الأول . وقدم الكاتب لقصة ” أزهار خريفية ” بمقطع طويل للشاعر الياباني * إيسا * ، ليمنح القصة إيقاعاً شرقياً هادئاً ومختلفاً. ولم يغفل الكاتب بقية النصوص : ك ” إسطورة النائم ” ، ز ” ، هبوط كريشنا “، و ” هو ” ، ولكل منها عتبتها الخاصة التي تضيء أفقها قبل الدخول إليها. بهذه الطريقة يحوّل المطلبي مجموعته إلى فضاء متعدد الأصوات. ف. ت .س .إليوت، والمهابهارتا، وكفافيس، وترانسترومر، وبابا طاهر، والرومي … كلهم يحضرون كشهود قبل أن تبدأ الحكاية “.
وواصل :”بالرغم من تعدد المرجعيات، لا تبدو القصص منفصلة، فبعضها مترابط بالشخوص والأحداث والأمكنة، وكأنَّ القارئ يمشي في ” ممر عشبي ” واحد تتفرع منه أبواب، من لك قصة إلى أخرى يلتقط أثر شخصية، أو صدى مكان، أو سؤال لم يُحسم . المواضيع التي يعالجها الكاتب تمتد من الوجودي إلى الاجتماعي والسياسي، لكنها دائماً عبر الرمز والإيحاء، لاخطابة مباشرة، ولاشعارات”.
واشار الى أن “هناك سؤالا عن الفن والموت والذاكرة والمنفى والجذور، مطروح بلغة شاعرية تميل إلى التأمل من الحكي السريع. ويختتم غالب المطلبي مجموعته بمفاجأة : مسرحية كوميدية من فصل واحد وقد قدّم لها بمقطع ل. ت. س. إليوت : ” في نهاية اكتشافنا نجد أنفسنا قد وصلنا إلى النقطة التي بدأنا منها، فتبدو كمن يعرف المكان أول مرة ” كأن الكاتب يقول : بعد كل هذا السفر في الأساطير والتأريخ والذاكرة، نعود إلى نقطة البدء، ولكن بوعيٍ جديد، والضحك هنا ليس هروباً ، بل هو إدراك لعبثية الاشياء وضرورة مواجهتها بخفة”. ” وأكمل أن”الممر العشبي ” ليس مجموعة قصصية تقليدية، بل مشروع سردي يربط المحلي بالعالمي، والشخصي بالاسطوري ، والجدّي بالكوميدي. يمنحك الكاتب مفاتيح من كبار الشعراء والمفكرين، ثم يتركك تمشي في الممر، لتكتشف في نهايته أنك تعرف المكان لأول مرة. أنها دعوة للحوار مع النصوص داخل النص، وللاعتراف بأن الأدب، في النهاية، هو ذاكرة مشتركة لاتعرف حدوداً”.



