اراء

العقود المليارية والكرة الخاسرة

بقلم: عبد الرحمن رشيد..

ربما نشهد اليوم سابقة خطيرة لم تعرفها سوق انتقالات اللاعبين المحليين في الدوري العراقي منذ عقود، بعدما وصلت أسعار التعاقدات إلى مستويات غير معقولة، في مشهد يعكس واقعًا تعيشه مفاصل عديدة في البلاد، في ظل غياب القوانين والضوابط التي تنظم سوق الانتقالات. وأصبحت المنافسة بين الأندية أشبه بمزاد علني، يفوز فيه من يدفع أكثر.

أسعار جنونية وأرقام تُتداول بعيدًا عن الأضواء، تقدمها الأندية لبعض اللاعبين مقابل التوقيع، رغم أن معظم هذه الأندية تعتمد على الدعم الحكومي، الذي يعاني أساسًا من ضغوط مالية. وهكذا تضع الأندية نفسها في دوّامة من الديون، ثم تعود لتلقي اللوم على الحكومة، بينما هي في الحقيقة أسهمت بصورة مباشرة في تضخم قيمة العقود، من خلال المبالغة في الإنفاق سعيًا وراء نتائج سريعة أو مكاسب إعلامية.

ولا يقتصر الخلل على إدارات الأندية، بل يمتد إلى بعض اللاعبين الذين توهّموا أنهم نجوم لا يمكن الاستغناء عنهم، وإلى بعض المدربين الذين يعتمدون على اللاعب الجاهز، بدلاً من صناعة لاعب جديد. ورحم الله شيخ المدربين الراحل عمو بابا، الذي كان يؤمن بأن مصلحة الفريق فوق أي لاعب، وكان لا يتردّد في منح الفرصة للشباب، وهي فلسفة أثبتت نجاحها عبر السنين.

إن الأموال الطائلة أفسدت بعض اللاعبين، حتى أصبح بعضهم يرى نفسه أكبر من النادي، بينما تقف بعض الإدارات عاجزة أمام مطالبهم فتستجيب، بدلاً من وضع حد لها.

وفي جميع الأندية توجد فرق للفئات العمرية، تُصرف عليها الأموال وتشارك في المنافسات كل موسم، لكن يبقى السؤال: ما جدوى هذه الفئات إذا لم ترفد الفريق الأول بلاعبين شباب؟ وهل أصبحت ملاعبنا عقيمة عن إنجاب المواهب؟.

لو أن كل نادٍ اعتمد تصعيد أربعة لاعبين فقط من فرق الشباب إلى الفريق الأول في كل موسم، لحقق فائدتين مهمتين، الأولى تقليل الإنفاق على التعاقدات، والثانية منح المواهب فرصة حقيقية لإثبات نفسها في دوري النجوم. لكن معظم الأندية لا تزال تفضل اللاعب الجاهز، وهو أحد الأسباب الرئيسة في تراجع الكرة العراقية.

ومن يردد أن الكرة العراقية لم تعد تنجب المواهب، فهو إما مخطئ أو مستفيد من استمرار عقود اللاعبين الخيالية، لأن المواهب موجودة، لكنها لا تجد من يمنحها الفرصة.

وإذا كانت الحكومة تمنح النادي نحو أربعة مليارات دينار سنويًا، ويخصص جزء منها لإدامة المنشآت الرياضية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف تستطيع الأندية تغطية عقود بعض اللاعبين التي تتراوح بين 250 مليونًا و750 مليون دينار للاعب الواحد؟ وأين تذهب بقية المبالغ؟ إنها أسئلة تستحق إجابات واضحة.

ومن هنا، فإن اتحاد الكرة مطالب بالتدخل ووضع ضوابط ملزمة للأندية، من بينها إلزام كل فريق بتسجيل خمسة لاعبين تحت سن 21 عامًا ضمن قائمته، مع إلزامه بإشراك لاعب واحد على الأقل في التشكيلة الأساسية بكل مباراة، بما يسهم في صناعة جيل جديد من اللاعبين.

وعند النظر إلى خارطة الكرة العراقية، نجد أن أغلب المواهب تخرج من الأحياء الشعبية، لكن الأندية لا تمنحها الفرصة الكافية، مفضّلة التعاقد مع لاعبين جاهزين، وهو ما ينعكس سلبًا على مستقبل اللعبة.

كما أن تطوير كرة القدم لا يقتصر على التعاقدات، بل يبدأ أيضًا من توفير ملاعب صالحة للتدريب والمنافسات. ومع الأسف، فإن هناك أندية تهتم بضم اللاعبين أكثر من اهتمامها بإدامة ملاعبها.

ويبقى نادي الكرخ أنموذجًا جديرًا بالإشادة، لأنه من بين الأندية القليلة التي حافظت على نهج الاعتماد على اللاعبين الشباب، وقدّم للكرة العراقية عددًا كبيرًا من النجوم، إلى جانب إدارته التي تعمل بعقلية احترافية تستحق التقدير.

وأخيرًا، فإن الحكومة مطالبة اليوم، قبل الغد، بإجراء مراجعة شاملة لآلية إنفاق الأموال المخصصة للأندية، من خلال لجان تضم خبراء ماليين وفنيين، تتولى مراجعة العقود ووضع معايير واقعية لتقييم أسعار اللاعبين، بما يحد من ظاهرة العقود الخيالية ويحفظ المال العام، ويعيد التوازن إلى سوق الانتقالات في الكرة العراقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى