اراء

الحشد الشعبي في ذكراه الـ 12.. عقيدة الدفاع الوطنية التي صانت الدولة وخذلها الإنصاف

بقلم: محمد الخزاعي..

لم يكن العراقيون يتوقّعون في ذلك الصيف اللاهب من عام 2014، أن يفرز الخطر المُحدق بوجودهم؛ قوةً استراتيجية ستعيد رسم خارطة البلاد الأمنية والسياسية لأكثر من عقد ونيّف.

فحين أصدر المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني فتواه التأريخية التي دعا فيها المواطنين القادرين على حمل السلاح أن يهبّوا دفاعاً عن الوطن والمقدّسات، لم تكن ثمّة مؤسسة قائمة ولا هيكل جاهز ولا ميزانية مرصودة، بل كانت هناك إرادة شعبية عارمة وجرح غائر في الكرامة الوطنية، بعد أن سقطت الموصل وامتدّت سطوة عصابات “داعـش” الإجرامية لتبتلع ثلث مساحة العراق في غفلة من تأريخنا المعاصر.

ومنذ ذلك الحين وحتى الذكرى الثانية عشرة التي نحتفي بها اليوم مرّت مسيرة الحشـد الشعبي بخطى ثقيلة، حافلة بالــدم والتضحية والجدل والتحوّل، لتجد العراق أمام مؤسسة أمنية باتت من أكثر الملفات تعقيداً وحضوراً وإثارة للجدل في المشهد الوطني والإقليمي معاً، نتيجة الفواعل السياسية المخطئة.

يقف العراقيون في هذه الذكرى أمام مرآة تعكس صورة بلد تشكّلت ملامحه من رحم المحنة. فالحشد الشعبي ليس تلك الكتل البشرية المتدفّقة من الأزقّة والأسواق والمساجد التي التحمت بجبهات الأنبار وصلاح الدين وديالى ونينوى قبل اثنتي عشرة سنة؛ فقد أصبح مؤسسة رسمية ذات هيكل رسمي وأذرع إدارية وميزانية حكومية وقانون خاصّ يُنظّم وجوده ويُحدّد مساراته، وهو تحوّل يحمل في طيّاته ثقلاً من الأسئلة الصعبة التي لا يحقّ لأيّ مراقب صادق أن يتجاهلها.

فضلاً عن الفتوى التي لم تكن مجرّد إعلان عن تكليف ديني طارئ، بل كانت عقداً اجتماعياً بين مرجعية النجف وجمهور متنوّع من العراقيين، الذين رأوا في الانهيار العسكري المدوّي عام 2014 مهانة وطنية بالغة. فالجيش الذي أُسّس بأموال طائلة وتدريب أمريكي مطوّل تفكّك في لحظات، وهذا ليس عيباً أو عجزاً فيه؛ إنما بسبب الحقن الطائفي والتخندق السياسي المنسوج على منوال خيوط المؤامرة الخارجية التي حِيكت لصناعة “داعـش” الإجرامي، وتثبيت قواعد نظام عالميّ جديد، فتركت الدولة مواطنيها وجهاً لوجه أمام وحشية تنظيم استباح المحرّمات كلّها. في تلك اللحظة بالذات، أعاد المتطوّعون من أبناء الفتوى المباركة صياغة معنى الانتماء الوطني، وحملوا معهم دوافع متشعّبة الجذور من الدين والقبيلة والعشيرة والمناطقية والقومية العراقية بمعناها الجامع، إذ إنّ هذا التنوّع في الدوافع هو ما جعل الحشد قوة بالغة الفاعلية في ميدان القتال، وهو نفسه ما يُشكّل اليوم تحدّياً حقيقياً في مسيرة بنائه مؤسسة وطنية موحّدة تتجاوز الانتماءات الفرعية.

لقد نقشت دماء الفداء التي سطّرها الحـشد في الذاكرة العراقية مشاهدة كثيرة لن يُفلح الزمن في محوها. فتحرير تكريت في آذار 2015 كان الاختبار الأول له بوصفه قوة هجومية منظّمة تقاتل الى جانب الصفوف الأمنية التي أُعيد تنظيمها بمدة وجيزة بفضل نخبة من القادة الأبطال، وفي طليعتهم عميد دماء الـحشـد وقائد النصر الشهيد أبو مهدي المهندس (يرحمه الله)، وسط تعقيدات دولية بالغة ومطالبات بإبعاده عن العمليات الأمنية، بعد أن قلب العراقيون المعادلة وأفشلوا المؤامرة الدولية التي وصل بها الحدّ إلى إلقاء الطائرات التابعة لما يُسمّى بالتحالف الدولي الإمدادات والدعم اللوجستي لـ”داعـش” الإجرامي “.

ثم جاء تحرير الفلوجة في حزيران 2016، لتكشف العملية عن أنّ الحشد قادر على الإنجاز الميداني لكنه يحتاج إلى منظومة ردع جوية تسانده في عمليات التحرير، إلّا أنّ ذلك المطلب كان دعاءً غير مستجاب. ليستمرّ في بسالته على الرغم من قلّة العُدّة والعدد حتى وصل إلى الموصل وخاض ملحمة التحرير الشرسة بين عامَي 2016-2017، النقطة المضيئة الأبرز في سجل الحشد؛ تلك المعركة التي استنزفت عديداً وعُدّة لأكثر من تسعة أشهر، وأبلى فيها رجال الحشـد بلاءً حسناً في المحاور المحيطة بالمدينة، مغلقين طرق الإمداد وقاطعين خطوط الفرار أمام عناصر التنظيم، حتى سيطروا على المدينة وجاء الإعلان الرسمي عن تحرير الموصل في تموز 2017 ليمثّل أعظم انتصار عسكري شهده العراق منذ عقود.

لكنّ الانتصار على “داعـش” الإجرامي لم يُسدل الستار على ملف الحشد ودوره الوطني، بل فتح فصلاً جديداً أكثر تعقيداً بكثير؛ إذ انتقلت المعارك من مواجهة عدو يرتدي قناعاً واضحاً إلى مواجهة طبيعة وجوده في مرحلة ما بعد التحرير والنصر، وكيفيّة دمجه مع المنظومة الأمنية الرسمية من دون أن يُفقد فاعليّته أو يُذيب هويته في بيروقراطية قد لا تكون مُهيّأة لاستيعابه. فعلى الرغم من أنّ القانون رقم 41 لعام 2016 الذي منح الــحشــد شرعيّة قانونية ووضعاً دستورياً جعله جزءاً من منظومة القوات المسلحة العراقية، إلّا أنه لم يكن تحوّلاً مؤسساتياً متكامل الأركان بسبب الضغط الدولي والتذبذب في المواقف السياسية تجاه هذه الاستحقاقات الوطنية لأبناء العراق الغيارى. بعدها أصدر مجلس الوزراء العراقي مرسوماً يمنح شهداء الحشد امتيازات ومخصصات مماثلة لشهداء القوات المسلحة الرسمية، فيما ذهبت وزارة حقوق الإنسان إلى تأكيد انتمائهم الكامل للمنظومة العسكرية الوطنية، في اعتراف رسمي متأخّر، لكنه ضروري تجاه من حملوا السلاح دفاعاً عنها.

أما على الصعيد الإنساني الذي كثيراً ما يغيب عن السرديات الإعلامية، فقدّم الحشد الشعبي وجهاً آخر يستحقّ التأمّل والتوثيق وبخاصة في مناطق التحرير، إذ أسهمت وحداته وجهده الهندسي بإعادة الخدمات الأساسية وفتح الطرق وحراسة العائدين من النازحين، وفتح المدارس بعد تأهيلها وإقامة مخيمات إيواء وتوافر الإسعافات الأولية في مناطق كانت بعيدة عن متناول الأجهزة الحكومية المنهكة. كذلك أدّت أدواراً في إعادة البنى التحتية ومساعدة المتضرّرين من السيول والفيضانات في محافظات (ديالى، صلاح الدين، نينوى، البصرة، واسط)، فضلاً عن أنه كان وما زال قطب الرحى في تأمين الزيارة الأربعينية إلى كربلاء المقدّسة التي يُشارك فيها أكثر من 20 مليون زائر من داخل العراق وخارجه، وهي صور قد لا تُصنع منها الأفلام الحماسية لكنها تُحدّد الفارق بين القوة المسلحة التي تحمي مجتمعها وتلك التي تفترس محيطها. هذا البعد الإنساني يشكّل رصيداً معنوياً ثميناً ينبغي للحشد صونه وتنميته بدلاً من تركه مطموراً تحت ضجيج السياسة وتجاذباتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى