اراء

هذا العملاق الذي يخيفهم بهداياه

بقلم: محمد بوعزارة..

قرأتُ باستغراب كيف تصرف الوفد الأمريكي الذي رافق الرئيس الأمريكي ترامب في زيارته التي وُصفت بالتأريخية إلى الصين.

فقد تحدثتْ مصادر صحفية أمريكية بما فيها مصادر صحفيين أمريكيين رافقوا الرئيس دونالد ترامب في زيارته إلى الصين أن كل أعضاء الوفد الأمريكي قاموا قبيل صعوده إلى الطائرة الرئاسية المقلة لترامب بعد انتهاء تلك الزيارة برمي كلّ المقتنيات والهدايا التي أعطيت لهم من الصين في سلة المهملات قبيل إقلاع الطائرة عائدة لواشنطن بتعليمات مخابراتية.

ومن المعروف أن مختلف الأعراف الدبلوماسية والعادات وتقاليد الضيافة ترفض مثل هذا التصرف الذي قيل بأنه يدخل في إطار الاحتياطات الأمنية، وخوفا من أن يكون الصينيون قد دسُّوا وسائل للتخابر على الأمريكيين المرافقين للرئيس ترامب.

ويبدو أن الأمريكيين نسوا حسب بعض المعلومات أنهم يقومون أثناء زيارة أي وفد أجنبي إلى الولايات المتحدة الأمريكية بتحليل فضلاته في المراحيض.

فهل بلغ الهوس والخوف الأمريكي من الصين إلى هذه الدرجة التي تُرمى فيها الهدايا في سلة المهملات بعد زيارة رئاسية وُصفت بأنها تأريخية؟.

الواقع أن الهدايا تُعَدُّ في الأعراف والتقاليد بين الدول وحتى بين الأشخاص، تعبيرا عن مشاعر الود والتقدير للضيف الزائر، وخاصة إذا كان من نوع ترامب الذي يرى أنه رئيس أقوى دولة في العالم عسكريا واقتصاديا وأمنيا.

كانت الهدايا كيفما كان شكلها في السابق تعد جزءا من رسائل بعث الثقة بين الشخص أو الدولة التي تقدمُ الهدية إلى الشخص الذي تُهدى له أو الدولة التي تُقدَّم لها، وأنها ليست خوفا منه أو لشراء ذمته، وخاصة عندما تكون من دولة قوية هي الصين بحضارتها وتأريخها وشعبها وقوتها العسكرية المتعددة الزاحفة إلى دولة قوية أخرى هي أمريكا.

ثم إنني شخصيا وبدون أن أدعي أنني أمتلك أية معلومات لا أعتقد أن الصينيين يكونون قد قدموا للوفد الأمريكي هدايا تحمل طابعا استخباراتيا أو استفزازيا خاصة في هذا الوقت المشحون بالتوترات والحروب، وهم يدركون أن محتويات بمثل هذه الهدايا لا تنطلي على مخابرات دولة قوية مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد اعتنت الحضارة والتقاليد الصينية منذ القِدم بتقديم هدايا لضيوفها تعكس عراقة ثقافة الشعب الصيني.

وكانت هذه الهدايا تحتوي حسب العادة على صنعٍ يدوي مُتقن، كالتحف والمجوهرات والجداريات والسجاد والحرير الذي هو رمز من حضارة الصين.

وفي كل الأحوال سيبقى السؤال مطروحا، وهو هل أن الأمريكان متخوفون إلى هذه الدرجة من الصين حتى تجعلهم يشعرون أن هدايا قادة هذا البلد تحمل معها فيروسات هانتا أو كورونا جديدة أو هي ذات طابع تجسسي ذو تقنية عالية الدقة لابد من الاحتياط منه؟. فيا له من عالم مليء بالشكوك والهوس من الصين القادمة بهدوء.

كم كنت أتمنى لو أن “الذكاء” الأمريكي كان لبقًا وذكيا في تعامله أمام الهدايا الصينية مهما كان الشك فيها وقام بحمل تلك الهدايا والمُقتنيات معه ووضعها في كيس مُحكم الإِغلاق، ثم قام برميها من الطائرة في البحر كما فعل مع بن لادن مثلما تمَّ الترويج له، أو قام بحرق تلك الهدايا المشكوك فيها في التراب الأمريكي بعيدا عن الأعين والإعلام، لكي يقولوا للعالم إن زيارة ترامب كانت فعلا تأريخيّة! أليس هذا الشك الأمريكي من مجرد هدايا صينية دليلُ خوف من هذا العملاق الذي كانوا يصفونه بالعملاق النائم؟.

لقد أثبت هذا العملاق حقا أنه عملاق يقظ صار يخيفهم حتى بهداياه، ولكن ولكي أكون موضوعيا وحتى لا أتهم الأمريكيين بعدم اللباقة في رد الهدايا بتلك الطريقة، فإنني أعتقد أن مرافقي ترامب قد استشعروا الخطر حتى من تلك الهدايا التي قٌدمت لهم من الصينيين خوفا من أن ينتقم منهم الصينيون كرد فعل على ما قام به الأمريكيون في عهد بوش الابن الذين قاموا عام 2001 ببيع طائرة رئاسية من نوع بوينغ 767 كانت مخصصة للرئيس الصيني السابق جيانغ زيمين.

فقد اكتشف الصينيون حينها بعد رحلات تجريبية عدة على الطائرة الرئاسية التي اشتروها من شركة دلتا إيرلاينز الأمريكية انبعاث أصوات غريبة، حيث بيَّن الخبراء الصينيون لاحقا، أن تلك الطائرة الرئاسية كانت تحمل تجهيزات تنصت، ومعنى ذلك أن زرع تلك الأجهزة تمت بالتنسيق مع المخابرات الأمريكية.

وإذا كانت بعض المصادر قد تحدثت عن أن الصين استخدمت بعض الوسائط والوسائل في التجسس على بعض الدول، فإن مقطع الفيديو الذي انتشر في تشرين الثاني 2025 أظهر الرئيس الصيني شي جينبينغ وهو يهدي نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ هاتفا ذكياً من طراز “شاومي” ويمازحه بالقول: “تحقق ما إذا كان فيه باب خلفي” في إشارة إلى إمكانية التجسس من طرف ذلك الهاتف الهدية. ومهما كان في هذا من مزاح، فإن المشتريات والهدايا في عصرنا هذا لم تعد بريئة، ولم تعد كما كانت في السابق تحمل صفة الكرم أو النبل الإنساني الخالي من الرياء والتخابر على الدول الاخرى أو مؤسسات أو أشخاص كيفما كانت صفتهم رؤساء أو ملوكا أو أصحاب مؤسسات.

لقد أصبحت بعض الهدايا للأسف في عالمنا هذا تحمل السموم والأوبئة، كما أصبحت مرافقة للتجسس والتخابر على الآخر، وعابت عنها تلك القيم الجميلة.

وقد قال الكاتب والروائي البرازيلي الشهير باولو كويلو: “الهدية هي أن تمنح شيئا من ذاتك، وأن تعطي قبل أن يسألك أحدهم هبةً عظيمة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى