محمد الجواد (عليه السلام) والإمامة المبكرة

تُعتبر الإمامة في الفكر الشيعيّ الإماميّ منصباً من المناصب الإلهيّة التي يمنحها الله تعالى لأشخاص معيّنين ومحدّدين وضمن مواصفات خاصّة.
وعلى أساس هذه النظرة قامت فكرة النصّ على الإمام عند الشيعة، والتي تعني أنّ تحديد هذا المنصب يتمّ عن طريق الوحي الإلهيّ النازل على قلب النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله حصراً، وبدون أيّ تدخّل بشريّ، فله تعالى أن يختار من عباده من يشاء ويصطفي من بينهم من يحبّ، فهو سبحانه أعلم بمصالح عباده وأخبر بأحوالهم وما يحتاجون إليه، ﴿اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وليس للعبد إلّا أن يُذعن ويعترف ويطيع ويسلّم..
وقد كان هذا الأمر معقوداً في نواصي الشيعة بدءاً من زمان أمير المؤمنين عليه السلام حتّى آخر الأئمّة عليهم السلام، يُعرفون بالقول به ويمتازون به من غيرهم، وقد مُلئت به رواياتهم وأحاديثهم وكتبهم، وعلى هذا جرت سيرتهم وكان ديدنهم.
فعن عمرو بن الأشعث قال: سمعت أبا عبد الله، عليه السلام يقول: “أترون الموصي منّا يوصي إلى من يريد؟! لا والله، ولكن عهد من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لرجل فرجل حتّى ينتهي الأمر إلى صاحبه.
وحيث كانت الإمامة منصباً وعهداً إلهيّاً منصوصاً عليه من الله تعالى، فلربّما تفرّدت بأمر لم يعهده البشر فيما بينهم، كما أوضح القرآن الكريم ذلك في حقّ النبوّة التي هي منصب وعهد إلهيّ، فقد نصّ تعالى في كتابه الكريم أنّه أعطاها لشرائح مختلفة من حيث العمر والسنّ، فقال تعالى في حقّ عيسى عليه السلام: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾، وقال في حقّ يحيى، عليه السلام: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾، وقال في حقّ يوسف، عليه السلام: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ وقد تكرّرت هذه الصورة القرآنيّة أيضاً مع أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، فكانت ظاهرة الإمامة المبكّرة التي تَولّى فيها بعض الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام ، منصب الإمامة وتصدّوا لها وهم في سنّ مبكّرة، لم تتجاوز العشر السنين، وهو عمر صغير بالنسبة إلى ما ألفته الأمّة من أعمار حكامها بل والغالب من حياة الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، ممّا استدعى أن يقع هذا الأمر موضعاً للتساؤل والاستفهام والحاجة إلى الإجابة الموضوعيّة.
الإمامة المبكرة في روايات الأئمّة عليهم السلام:
وقد تصدّت الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام للإجابة عن هذا الأمر ضمن المفهوم القرآنيّ الذي تقدّمت الإشارة إليه:
فعن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا عليه السلام: قد كنّا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر عليه السلام، فكنت تقول: “يهب الله لي غلاماً”، فقد وهبه الله لك، فأقرّ عيوننا، فلا أرانا الله يومك فإن كان كون فإلى من؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر عليه السلام، وهو قائم بين يديه، فقلت: جُعلت فداك، هذا ابن ثلاث سنين؟! فقال: “وما يضرّه من ذلك؟ فقد قام عيسى عليه السلام، بالحجّة وهو ابن ثلاث سنين.
وعن الخيرانيّ، عن أبيه قال: كنت واقفاً بين يدي أبي الحسن عليه السلام بخراسان فقال له قائل: يا سيّدي، إن كان كون فإلى من؟ قال: “إلى أبي جعفر ابني”، فكأنّ القائل استصغر سنّ أبي جعفر عليه السلام، فقال أبو الحسن عليه السلام: “إنّ الله تبارك وتعالى، بعث عيسى ابن مريم رسولاً نبيّاً، صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السنّ الذي فيه أبو جعفر عليه السلام.
وعن عليّ بن أسباط قال: خرج عليّ أبو جعفر عليه السلام، حدثان موت أبيه، فنظرت إلى قدّه لأصف قامته لأصحابي، فقعد ثمّ قال: “يا عليّ، إنّ الله احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ به في النبوّة فقال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
وعن بعضهم، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: قلت له: إنّهم يقولون في حداثة سنّك، فقال: “إنّ الله تعالى أوحى إلى داود أن يستخلف سليمان وهو صبيّ يرعى الغنم، فأنكر ذلك عبّاد بني إسرائيل وعلماؤهم، فأوحى الله إلى داود عليه السلام، أنْ خُذ عصا المتكلّمين وعصا سليمان واجعلها في بيت واختم عليها بخواتيم القوم فإذا كان من الغد، فمن كانت عصاه قد أورقت وأثمرت فهو الخليفة، فأخبرهم داود، فقالوا: قد رضينا وسلّمنا.
وعن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه قال: قال عليّ بن حسّان لأبي جعفر عليه السلام: يا سيّدي، إنّ الناس ينكرون عليك حداثة سنّك، فقال: “وما ينكرون من ذلك قول الله عزّ وجلّ؟ لقد قال الله عزّ وجلّ لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ فوالله ما تبعه إلّا عليّ عليه السلام وله تسع سنين، وأنا ابن تسع سنين.
وقد أجاب علماؤنا الأبرار بمثل ما ورد في هذه الروايات من أدلّة وحجج، فعن الشيخ المفيد رحمه الله أنّه قال: على أن ما اشتبه عليهم من جهة سنّ أبي جعفر عليه السلام، فإنه بيِّن الفساد، وذلك أنّ كمال العقل لا يستنكر لحجج الله تعالى مع صغر السنّ قال الله سبحانه:
﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ فخبَّر عن المسيح عليه السلام، بالكلام في المهد، وقال في قصّة يحيى عليه السلام: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ وقد أجمع جمهور الشيعة مع سائر من خالفهم على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليّاً عليه السلام وهو صغير السنّ ولم يدع الصبيان غيره، وبَاهَل بالحسن والحسين عليه السلام، وهما طفلان، ولم يُرَ مُبَاْهِلٌ قبله ولا بعده بَاهَلَ بالأطفال، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه من تخصيص الله تعالى حججه على ما شرحناه، بطل ما تعلّق به هؤلاء القوم”.



